قيود «ستارلينك» تربك مسيّرات أوكرانيا.. هل تتحول خدمات ماسك إلى ورقة ضغط في مواجهة زيلينسكي؟
وضعت القيود المفاجئة على خدمات الاتصالات الفضائية التي توفرها شركة "سبيس إكس" الأمريكية للجيش الأوكراني العلاقات بين واشنطن وكييف أمام اختبار جديد، بعدما اتهم مسؤولون أوكرانيون الشركة بتعطيل مهام الطائرات المسيرة الهجومية والدفاعية، في توقيت يتزامن مع تصاعد الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التعامل مع روسيا وإنهاء الحرب، وفقًا لتحليل نشرته صحيفة “الجارديان” البريطانية.
وكشفت الصحيفة أن محطات اتصالات عسكرية أوكرانية فقدت الاتصال عند تحركها بسرعات مرتفعة، بعدما فرضت قيود على خدمات مرتبطة بمنظومة "ستارلينك"، التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية في توجيه الطائرات المسيرة وتنسيق العمليات الميدانية. وأثارت الخطوة مخاوف من تراجع قدرة كييف على ضرب الأهداف الروسية والتصدي للطائرات المسيرة التي تستهدف المدن والبنية التحتية.
وتكتسب الأزمة خطورتها من تزامنها مع خلاف سياسي متصاعد، بعدما ضغط ترامب على كييف لوقف استهداف مصافي النفط الروسية، وربط ارتفاع أسعار الوقود بتطورات الحرب، فيما اتهم زيلينسكي واشنطن بالتخلي عن دور الشريك المتوازن. لكن المسؤولية المباشرة عن فرض القيود لا تزال موضع خلاف، ولا تثبت المعلومات المنشورة وحدها أن القرار صدر شخصيا عن ترامب أو اتخذ بهدف معاقبة أوكرانيا.
قيود السرعة تضرب سلاح أوكرانيا غير المتكافئ
تعتمد القوات الأوكرانية على الطائرات المسيرة لتعويض الفارق في الحجم والقدرات مع الجيش الروسي، وتستخدم اتصالات الأقمار الصناعية لنقل البيانات وتوجيه الطائرات وتنسيق العمليات. ولذلك لا تمثل قيود السرعة مسألة تقنية هامشية، بل قد تتحول إلى عائق ميداني يغير نتائج بعض المهام.
وذكر مسؤولون أوكرانيون أن القيود طالت محطات اتصال تعمل على الطائرات المسيرة عند تجاوز سرعة 160 كيلومترا في الساعة، بينما رصدت وحدات عسكرية انقطاعات للاتصال لمدة تتراوح بين 10 و20 ثانية عند سرعات أقل من ذلك. وأدى الاضطراب إلى إلغاء بعض المهام، كما هدد كفاءة الطائرات الاعتراضية المستخدمة لإسقاط المسيرات الروسية السريعة.
وتزداد خطورة المشكلة مع تطوير روسيا طائرات مسيرة نفاثة من طراز "شاهد"، إذ تحتاج الدفاعات الأوكرانية إلى وسائل اعتراض قادرة على ملاحقتها.
وأوضحت تقارير صحفية أن القيود قد تعرقل استخدام الطائرات الاعتراضية، إلى جانب بعض المهام الهجومية متوسطة المدى داخل الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا، بينما لا تؤثر بالطريقة نفسها على الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى ضد مصافي النفط الروسية، التي لا تعتمد على "ستارلينك" لتنفيذ تلك العمليات.
ماسك ينقل المسؤولية إلى الجيش الأمريكي
رد إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة "سبيس إكس"، على الانتقادات بتوضيح أن القيود المفروضة على السرعة والاستخدام في منظومة "ستار شيلد" العسكرية يحددها الجيش الأمريكي والرئيس الأمريكي في نهاية المطاف. ويفتح هذا التصريح بابا مهما لفهم الأزمة، إذ يميز بين خدمة "ستارلينك" التجارية ومنظومة "ستار شيلد" المخصصة للاستخدامات العسكرية والاستخباراتية، والخاضعة لسيطرة الحكومة الأمريكية.
لكن تصريحات ماسك لم تحسم المسؤولية عن القيود التي أصابت الاتصالات العسكرية الأوكرانية، ولم تقدم واشنطن في التقارير المنشورة تفسيرا نهائيا للقرار. وفي المقابل، أثار مسؤولون أوكرانيون شكوكا بشأن توقيت الإجراء، خصوصا مع تدهور العلاقات السياسية بين ترامب وزيلينسكي.
وأبدى وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي استياءه من الخطوة، متسائلا عما إذا كان ماسك يستخدم منتجاته في المناورات السياسية، في إشارة إلى اعتماد أوكرانيا على خدمة تمول بولندا جزءا من اشتراكاتها. وتعكس هذه الانتقادات مخاوف أوروبية من تحول البنية التكنولوجية التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني إلى نقطة ضغط سياسي على كييف.
ترامب يضغط على زيلينسكي ويفتح الباب أمام موسكو
تتجاوز الأزمة حدود الاتصالات الفضائية، بعدما دعا ترامب أوكرانيا إلى تغيير قيادتها، وطالبها بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، في وقت سعى فيه إلى تخفيف الضغوط على أسعار الوقود الأمريكية عبر تخفيف القيود على واردات الديزل الروسي.
ووصف زيلينسكي موقف ترامب بأنه مؤلم، معتبرا أن الرئيس الأمريكي اختار الوقوف إلى جانب الطرف الآخر بدلا من الحفاظ على موقع الوسيط المتوازن. كما حذر من أن القيود على الاتصالات العسكرية قد تؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا، بالتزامن مع الهجمات الروسية على منشآت الطاقة والمدن الأوكرانية.
وتواجه كييف بذلك معضلة استراتيجية؛ إذ تحتاج إلى استمرار الدعم الأمريكي في مجالات الاتصالات والاستخبارات والتسليح، لكنها تخشى أن تستخدم إدارة ترامب هذه الأوراق لدفعها إلى قبول تسوية لا تحقق أهدافها، وفي المقابل، تحاول العواصم الأوروبية منع انهيار العلاقة بين واشنطن وكييف، مع تعزيز المساعدات الدفاعية لتقليل اعتماد أوكرانيا على مصدر واحد للدعم.





