كارنيجي تكشف مفاجآت عن الذكاء الاصطناعي.. هل أصبح قادرًا على توجيه الناخبين؟
حذرت مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخاصة نماذج اللغة الكبيرة، لم يعد يقتصر على كونه أداة للإجابة عن الأسئلة أو تلخيص المعلومات، بل تحول إلى لاعب متزايد الأهمية في المجال السياسي.
ويستخدم ملايين الأشخاص روبوتات المحادثة ومحركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات تتعلق بالانتخابات والسياسيين والقضايا العامة، وهو ما يمنح هذه النماذج دورًا متناميًا في تشكيل النقاش السياسي والتأثير في طريقة فهم الجمهور للقضايا المختلفة.
كارنيجي تحذر من تأثير الذكاء الاصطناعي في السياسة
وفي تحليل نشره مركز كارنيجي، حذر الباحثان داناي ميتاكا وأليكس إنجلر من أن هذا التحول يحتاج إلى مراقبة مستمرة، موضحين أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بنقل المعلومات، وإنما يمكنها التأثير في طريقة فهم الجمهور للقضايا السياسية وتكوين مواقفه منها.
وفي الأسبوع السابق للانتخابات البريطانية عام 2024، استخدم 13% من الناخبين المؤهلين روبوتات المحادثة للحصول على معلومات انتخابية.
وفي مارس 2026، قال 46% من الأمريكيين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أحيانًا على الأقل، بينما استخدمه 39% لفهم السياسة ولو نادرًا.
كما أظهر استطلاع لناخبي الولايات المتحدة أن 39% كانوا يرجحون استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي للتعرف على المرشحين أو الانتخابات.
الذكاء الاصطناعي من أداة معلومات إلى لاعب سياسي
تشير الأدلة العلمية إلى أن نماذج اللغة ليست واسعة الانتشار فقط، وإنما تمتلك أيضًا القدرة على الإقناع والتأثير في المستخدمين.
وأظهرت تجارب أن الرسائل السياسية التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مقنعة بقدر الرسائل التي يكتبها البشر، وذلك في قضايا سياسية مثل الضرائب والإجازة الوالدية.
وفي دراسة أخرى شملت 19 نموذجًا وأكثر من 700 قضية سياسية، ارتبطت قوة الإقناع بكثافة الادعاءات الواقعية.
كما عزز التدريب اللاحق وصياغة التعليمات قدرة النماذج على الإقناع، رغم أن ذلك قد يأتي أحيانًا على حساب الدقة.
فوائد الذكاء الاصطناعي في المعرفة السياسية
ولا يعني تأثير الذكاء الاصطناعي أنه سلبي بالضرورة، إذ أظهرت دراسة أن استخدام نماذج مثل تشات جي بي تي وكلود ومسترال كان مفيدًا للمعرفة السياسية بدرجة مماثلة لبحث جوجل في موضوعات مثل المناخ والهجرة والعدالة الجنائية.
كما ساعدت بعض النماذج، عند تزويدها بحقائق موثوقة، في الحد من بعض أشكال التفكير التآمري وتحسين عمليات تدقيق الحقائق.
أزمة الحقيقة والتحيز في نماذج الذكاء الاصطناعي
في المقابل، تبرز مخاوف متزايدة بشأن دقة المعلومات التي تقدمها نماذج الذكاء الاصطناعي.
فقد وجد تحليل أواخر عام 2025 شمل 10 نماذج رائدة أنها أكدت صحة ادعاءات إخبارية كاذبة في 35% من الحالات.
كما وجدت هيئة الإذاعة البريطانية، عند اختبار نماذج ذكاء اصطناعي باستخدام محتواها الإخباري، أن 19% من الإجابات تضمنت أخطاء واقعية.
وتتداخل مشكلة الدقة مع قضية التحيز الخوارزمي، إذ أظهرت أبحاث أن النماذج قد تقدم معلومات أقل دقة أو ترفض بعض الطلبات بصورة أكبر بالنسبة إلى مستخدمين معينين.
وفي المقابل، قد تؤدي الرقابة المفرطة إلى حجب محتوى مشروع، خاصة المحتوى المرتبط بقضايا الهوية.
التحيز السياسي والثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي
يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أيضًا أن تعكس توجهات سياسية وثقافية مرتبطة بمطوريها أو بالبيئات التي جرى تطويرها فيها.
وسجلت النماذج الصينية، ومنها ديب سيك، معدلات رفض مرتفعة عند التعامل مع موضوعات سياسية حساسة داخل الصين، وهو ما يسلط الضوء على تأثير البيئة السياسية والتنظيمية في سلوك النماذج.
أربعة أسباب لمراقبة الذكاء الاصطناعي باستمرار
يلخص الباحثان ميتاكا وإنجلر صعوبة دراسة نماذج اللغة في إطار أطلقا عليه اسم «ديب»، ويتكون من أربع خصائص رئيسية:
متغيرة
يمكن أن تتغير إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي بسبب تحديثات النموذج أو التعليمات الداخلية أو تغير مصادر الإنترنت، بالإضافة إلى الطبيعة الاحتمالية لهذه النماذج.
مؤقتة
تختفي العديد من الإجابات بمرور الوقت، ما يجعل من الصعب معرفة ما كان النموذج سيقوله في الماضي عند طرح سؤال لم تتم تجربته حينها.
مدمجة
لا تعمل النماذج دائمًا بصورة مستقلة، وإنما تكون داخل أنظمة تضم أدوات حماية وقواعد بيانات ومحركات بحث وأجهزة مختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف النتائج.
مخصصة
أصبحت بعض النماذج تستخدم الذاكرة والمعلومات الخاصة بالمستخدم، مثل التفضيلات وسجل المحادثات، الأمر الذي يجعل الإجابات أكثر اختلافًا من شخص إلى آخر.
المراقبة المستمرة ضرورة لفهم سلوك النماذج
ويرى الباحثان أن اختبار نموذج الذكاء الاصطناعي مرة واحدة لا يكفي، وأن المطلوب هو مراقبة مستمرة تعتمد على طرح أسئلة ثابتة بصورة دورية، سواء يوميًا أو أسبوعيًا، مع تسجيل الإجابات ومقارنتها لاكتشاف التغيرات التي تحدث بمرور الوقت.
وتساعد هذه الآلية على فهم كيفية تغير سلوك النماذج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعلومات السياسية والأخبار والقضايا العامة.
«مراقب الذكاء الاصطناعي» يرصد تغيرات سلوك النماذج
ويقدم مشروع «مراقب الذكاء الاصطناعي» مثالًا على هذا النهج، إذ يراقب مئات الموضوعات الاجتماعية بصورة أسبوعية.
وأظهرت نتائجه تغيرات مفاجئة في معدلات رفض بعض الطلبات، من بينها محتوى متعلق بإسرائيل في أغسطس 2025، وموضوعات الإجهاض في سبتمبر من العام نفسه.
ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها أن الأحداث السياسية تسببت في تغير سلوك نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف أهمية وجود سجل مستمر يمكن من خلاله اكتشاف التحولات التي قد تمر دون ملاحظة.
الذكاء الاصطناعي والشفافية والديمقراطية
وتقدم تجربة وسائل التواصل الاجتماعي درسًا واضحًا، يتمثل في عدم اعتماد المجتمع البحثي بشكل كامل على شركات التكنولوجيا لتوفير البيانات الضرورية لفهم تأثير منتجاتها.
وتتخذ شركات الذكاء الاصطناعي قرارات تتعلق بما تعتبره موضوعيًا، وما الذي ينبغي أن تقوله النماذج، وما الذي يجب عليها رفضه.
ومن ثم، فإن المراقبة المستقلة لنماذج الذكاء الاصطناعي لا تمثل مسألة تقنية فقط، وإنما ترتبط أيضًا بقضايا الشفافية والديمقراطية، خاصة مع تزايد اعتماد الجمهور على هذه الأدوات للحصول على الأخبار وفهم السياسة وتكوين المواقف تجاه القضايا العامة.