مصر والصين.. 70 عامًا من العلاقات تتحول إلى شراكة استراتيجية واقتصادية
تدخل العلاقات المصرية الصينية مرحلة جديدة مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، في ظل مسار متنامٍ للتعاون بين البلدين على مدار السنوات الماضية، لم يعد يقتصر على التجارة والاستثمارات، وإنما امتد إلى البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعة والاتصالات والفضاء والتعليم والاقتصاد الرقمي.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956.
شراكة استراتيجية منذ 2014
شهدت العلاقات نقلة نوعية في عام 2014، عندما اتفق الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج على إقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، لتصبح الصين منذ ذلك الحين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر.
وتوسعت الشراكة لتشمل مشروعات قومية كبرى، من بينها منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي الخفيف، ومشروعات الطاقة المتجددة، وتطوير الموانئ، والاستثمارات الصناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وفي 2023 انضمت مصر إلى بنك التنمية الجديد، ثم أصبحت عضوًا في تجمع بريكس اعتبارًا من 2024، وهو ما أضاف بعدًا جديدًا للعلاقات الاقتصادية والمالية مع الصين وبقية الاقتصادات الصاعدة.
الصين أكبر شريك لمصر في الواردات غير البترولية
بلغ حجم التجارة بين مصر والصين نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 17.4 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 20%.
وتستحوذ الصين على موقع متقدم بين أكبر الشركاء التجاريين لمصر، خاصة في تجارة السلع غير البترولية. وبلغت الواردات المصرية من الصين نحو 19.9 مليار دولار في 2025، مقابل صادرات مصرية إلى السوق الصينية بلغت نحو 819 مليون دولار.
وتشمل أهم الواردات المصرية من الصين الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات ومعدات الاتصالات والسيارات ومستلزمات وقطع غيار السيارات والمنسوجات والكيماويات.
في المقابل، تصدر مصر إلى السوق الصينية عددًا من المنتجات الزراعية، خاصة البرتقال والفاكهة والحاصلات الزراعية، إلى جانب البترول والغاز وبعض الخامات والمنتجات التعدينية والأسمنت والمنسوجات.
وتكشف أرقام التجارة عن تحدٍ رئيسي في العلاقة الاقتصادية، يتمثل في الفجوة الكبيرة بين الصادرات والواردات، وهو ما يجعل زيادة الصادرات المصرية وجذب الاستثمارات الصينية للإنتاج داخل مصر بدلًا من الاكتفاء بالتصدير إليها أحد أهم الملفات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.
قناة السويس.. نقطة الالتقاء بين مبادرة الحزام والطريق
وتمثل قناة السويس ومنطقتها الاقتصادية أحد أهم عناصر الجاذبية المصرية للصين.
فموقع مصر بين آسيا وأوروبا، وامتلاكها قناة السويس، فضلًا عن السوق المحلية الكبيرة والقدرة على النفاذ إلى الأسواق الأفريقية والعربية، يجعلها قاعدة مناسبة للشركات الصينية الراغبة في التصنيع والتصدير.
وتضم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس استثمارات صينية بارزة، وعلى رأسها منطقة تيدا – مصر الصينية، التي تحولت إلى تجمع صناعي مهم للشركات الصينية في مصر. وتشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو 200 شركة صينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولا تقتصر أهمية المنطقة بالنسبة للصين على السوق المصرية، وإنما تمتد إلى إمكانية استخدام مصر كمنصة للتصدير إلى أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، مستفيدة من شبكة الاتفاقيات التجارية المصرية والموقع الجغرافي.
العاصمة الإدارية.. نموذج للتعاون الصيني
من أبرز رموز التعاون بين البلدين حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، الذي تتولى شركة صينية جانبًا رئيسيًا من أعمال تنفيذه.
ويضم المشروع عددًا من الأبراج الإدارية والتجارية، وفي مقدمته البرج الأيقوني الذي أصبح أحد أبرز معالم العاصمة الجديدة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشروعات أخرى مرتبطة بالبنية الأساسية والنقل.
ويمثل حي المال والأعمال نموذجًا لطبيعة التعاون التي تسعى مصر إلى تعميقها، من مجرد استيراد السلع الصينية إلى الشراكة في تنفيذ المشروعات ونقل الخبرات والتكنولوجيا وجذب التمويل والاستثمار.
النقل.. من القطار الكهربائي إلى مشروعات جديدة
يمثل قطاع النقل أحد أبرز مجالات التعاون المصري الصيني.
وشاركت الصين في تنفيذ القطار الكهربائي الخفيف LRT الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة والعاشر من رمضان، كما شهد عام 2025 توقيع اتفاق تمويل وتنفيذ للمرحلة الثالثة من المشروع بقيمة نحو 332 مليون دولار، وفق بيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولي.
ويمتد التعاون كذلك إلى مشروعات السكك الحديدية والنقل الكهربائي، في إطار توجه مصر لتطوير منظومة النقل الجماعي وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
الصناعة والتوطين.. الملف الأهم لمصر
لا تتوقف أهمية الاستثمارات الصينية لمصر عند توفير التمويل أو تنفيذ المشروعات، وإنما ترتبط بصورة أكبر بمساعي الدولة نحو توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي.
وتضع استراتيجية التعاون الإنمائي المصرية الصينية للفترة من 2025 إلى 2029 توطين الصناعة ضمن القطاعات ذات الأولوية، إلى جانب الاقتصاد الرقمي والفضاء والصحة والتعليم والتنمية الخضراء.
الصين شريك في ملف التحول الأخضر
يمتد التعاون إلى الطاقة الجديدة والتنمية الخضراء، في ظل توجه مصر لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة وتحويل منطقة قناة السويس إلى مركز إقليمي للصناعات الخضراء.
وتشمل مجالات التعاون بين البلدين مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب الاستثمارات الصناعية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.





