الأربعاء 02 سبتمبر 2026 الموافق 20 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
مقالات

النائب د. محمد فؤاد يكتب: البيضة والحجر و"فك العمل الاقتصادي"

الرئيس نيوز

خلال عام 2024، تم طرح فكرة مقايضة بعض أصول الدولة بالديون، وقد ناقشتها وقتها وكتبت مقالًا مطولًا في تفنيدها نٌشر في هذه المساحة. وتناول المقال أسباب موضوعية لعدم نجاعة الفكرة دون رد موضوعي من صاحبها، واليوم عادت الفكرة إلى النقاش من جديد.

وفي الواقع، فإنني أحترم الحق الكامل للأستاذ حسن هيكل في طرح رأيه والدفاع عنه، لكن ما يشغلني هذه المرة ليس إعادة مناقشة المقترح نفسه لأن تقديري الان كما كان وقتها أنه ولد ميتا، وإنما أطرح اليوم سؤال أوسع: لماذا تستمر أفكار مثل المقايضة في التداول؟ ولماذا يبدو الحل الاستثنائي أحيانًا أكثر إقناعًا من الحل الاقتصادي المعروف؟

والإجابة عن ذلك تذكرني بمشهد شهير من فيلم «البيضة والحجر»، عندما تذهب «قمر» إلى «مستطاع الطعزي» تشكو له أن العرسان لا يأتون، فيحاول أن يقدم لها تفسيرًا منطقيًا وحلولًا واقعية، لكنها لم تأتِ من أجل ذلك إذ تريد منه شيئًا آخر: أن «يفك العمل».

وهذا، بدرجة ما قد حدث في النقاش الاقتصادي عندنا.. نقول للناس إن علاج مشكلة الدين والاقتصاد يحتاج إلى زيادة الإيرادات المستدامة، وتحسين كفاءة الإنفاق، ورفع الإنتاجية والاستثمار الخاص، وإدارة أفضل لأصول الدولة، وخفض الاحتياجات التمويلية، ومجابهة عجز الطاقة الذي أصبح مصدرًا مهمًا للضغط على المالية العامة والعملة الأجنبية، فيسألون عن الحل!

في رأيهم أن كل هذا كلام اقتصادي معروف او روتيني او تنظيري، لكنه أصبح بالنسبة لكثيرين كلامًا ماسخًا معتادا؛ ليس لأن هذه الحلول ثبت فشلها، وإنما لأننا تحدثنا عنها واستخدمنا مفرداتها لسنوات، حتى تكوّن انطباع بأنه قد تم تجربتها ولم تنجح، بينما الحقيقة أننا لم ننفذها أصلًا، أو لم ننفذها بالقدر والاتساق اللازمين للحكم عليها.

خذ مثلًا مسألة المؤشرات والمستهدفات، فبحث الدخل والإنفاق، الذي نستخرج منه أحد أهم مؤشرات الفقر ومستوى معيشة المصريين، لم يُنشر منذ عام 2019، في حين أنه من الأولى أن يُنشر بانتظام مهما كانت نتائجه، وحتى لو أظهر، افتراضًا، أن معدل الفقر بلغ 40%، فهذا أرحم كثيرًا من عدم نشر الرقم أصلًا.

فالمشكلة الاقتصادية لا تختفي بإخفاء مؤشر قياسها، لأنه وقتها نفقد بذلك قدرتنا على معرفة حجمها والحكم على نجاح السياسات في مواجهتها أو حتى لفت الانتباه المطلوب إلى وجودها.

وفي الطاقة كذلك أمثلة عدة، مثلا الحكومة أعلنت مرارًا مستهدفات لرفع إنتاج الغاز تتجاوز 5.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، ثم جاء الإنتاج الفعلي أقل من ذلك، والمفارقة أن المشكلة لم تعد فقط في عدم تحقق المستهدف، وإنما في محاولة تجاوز الرقم بالتصريحات الصحفية، والتضيق بمن يطالب بالعودة إلى الأرقام ومقارنة المحقق بما أعلنته الحكومة نفسها.

رغم أن النقد هنا ليس لمجرد النقد، ولا لأن أحدًا اخترع للحكومة مستهدفات ثم حاسبها عليها، بل نحاسب الحكومة على المستهدفات التي وضعتها وأعلنتها بنفسها ومن المفترض أنها ألزمت نفسها به، وإذا لم تتحقق، فالسؤال الطبيعي: لماذا؟ ومن المسؤول؟ وما الذي تغير؟ لا أن نقفز إلى مستهدف جديد، أو نتعامل مع من يذكّر بالمستهدف القديم وكأنه صاحب المشكلة.

ولا يعني ذلك أن كل مستهدف يجب أن يتحقق كاملا مهما تغيرت الظروف؛ فالاقتصاد يتغير، والصدمات تقع، والافتراضات قد تخطئ، لكن عدم تحقيق المستهدف يجب أن يستوجب التفسير والمساءلة والتصويب، فلا يجوز أن يكون المستهدف أداة لإعلان النجاح عندما يتحقق، ثم يصبح عبئًا يجب تجاوزه عندما لا يتحقق، فالقياس ليس رفاهية، والمستهدف ليس أمنية، ونشر الرقم ليس مشروطًا بأن يكون الرقم جيدًا.

والأغرب أننا لا نفتقر أصلًا إلى الخطط، فلدينا رؤية مصر 2030، ومخرجات الحوار الوطني، ووثيقة سياسة ملكية الدولة، والسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، فضلًا عن البرامج الحكومية والاستراتيجيات القطاعية وعشرات المستهدفات المعلنة.

ومع ذلك، كلما واجهتنا أزمة، نعود للبحث عن خطة جديدة وحل جديد «خارج الصندوق»، في حين أن المشكلة ليست أننا لم نخرج من الصندوق بما يكفي بل أننا لم ننفذ ما هو داخل الصندوق أصلًا.

والحقيقة أننا نظلم أنفسنا عندما نتعامل مع ظهور الأفكار الاستثنائية وكأنها تأتي من فراغ، فالحكومة نفسها تهيئ المناخ الذي يستدعيها، كما حدث عندما قال رئيس الوزراء في ديسمبر إن الحكومة تستهدف خفض الدين إلى «مستويات غير مسبوقة» دون أن توضح الآلية.

وقتها قلت للإعلامي الكبير عمرو أديب، على سبيل المزاح، إن الطريقة التي قيل بها الكلام توحي بأن عندنا عمًّا في البرازيل مات وترك لنا ميراثًا!، والحقيقة أن الحكومة حتى اليوم لم توضح وأيضا لم تنفذ.

فعندما تعلن نتيجة استثنائية دون أن تقول للناس كيف ستصل إليها، فمن الطبيعي أن يبدأ الجميع في البحث عن تفسير استثنائي: أصل سيباع؟ صفقة ضخمة؟ مقايضة؟ أم تدفق دولاري مفاجئ؟

وبالفعل تُركت الساحة للناس تتبارز في التخريجات والتفسيرات، بينما قال بعض العقلاء ببساطة إن الاقتصاد لا يعرف المعجزات ولا الأكروباتيات.. خفض الدين له مسارات معروفة؛ قد تكون صعبة وبطيئة، لكنها معروفة، لكن عندما تعلن النتيجة ولا تعلن الطريق إليها، سيحاول الآخرون اختراع الطريق نيابة عنك.

أعلم أن الحلول الاقتصادية المعروفة بطبيعتها ليست مثيرة.. فكلها إجراءات صعبة وبطيئة ونتائجها تراكمية، أما الحل الذي يعد بتغيير كبير وسريع، فهو بطبيعته أكثر جاذبية.

وهنا نعود إلى «البيضة والحجر»، فـ" قمر" لم تكن تريد أن تسمع لماذا لا يأتي العرسان ولا ماذا تستطيع أن تفعل، كانت تريد من مستطاع الطعزي أن «يفك العمل»، وفي حالتنا لا ألوم الناس على البحث عن «فك العمل» الاقتصادي، بقدر ما ألوم البيئة التي صنعت هذا الطلب.

فعندما تتعدد الخطط، وتتغير المستهدفات، ولا توجد لحظة واضحة للمحاسبة على ما تحقق وما لم يتحقق، تفقد الحلول العادية مصداقيتها، وعندما تعلن الحكومة نتائج كبيرة دون أن تشرح الطريق إليها، فهي تهيئ بنفسها المناخ الذي تزدهر فيه أفكار مثل المقايضة وغيرها من الحلول الاستثنائية. فالغموض عندما يترك فراغًا طويلًا؛ يملؤه الآخرون بأفكارهم سواء صادفت العلم أم خرجت عنه.

وفي رأيي لدينا مشكلتان أساسيتان، أولهما أن الخطط لا تتحول بالقدر الكافي إلى تنفيذ، والثانية أن المستهدفات لا نعتبر عدم تحقيقها أمرًا مؤثمًا سياسيًا.

فإذا أعلنت الحكومة مستهدفًا للدين أو الاستثمار الخاص أو إنتاج الطاقة، فليكن له رقم وموعد، وعندما يأتي الموعد نسأل: تحقق أم لم يتحقق؟ والخطة يجب أن يكون لها أرقام ومواعيد ومسؤوليات، وفي النهاية لها نتيجة يمكن قياسها، أما إذا كانت الأرقام تتغير والمواعيد تتحرك ثم نبدأ كل عدة سنوات بوثيقة جديدة، فسنظل نمتلك الكثير من الخطط والقليل من القدرة على الحكم على نجاحها.

وبدون وضع حد لهاتين المشكلتين سوف ستظل البيئة مهيأة لظهور أفكار مثل المقايضة وغيرها؛ ليس بالضرورة لأنها أفضل اقتصاديًا، وإنما لأن الحلول المعروفة فقدت مصداقيتها من كثرة الحديث عنها وقلة الالتزام بتنفيذها.

فالأزمة ليست أننا جرّبنا الحلول التقليدية وفشلت، لكنها أننا كررنا الحديث عنها طويلًا حتى توهمنا أننا جرّبناها، وتوقعنا نتيجتها، وفي الاقتصاد، كما في «البيضة والحجر»، عندما يفقد الحل المنطقي مصداقيته من كثرة الكلام وقلة التنفيذ، يصبح البحث عمن «يفك العمل» أمرًا مفهومًا.