الثلاثاء 01 سبتمبر 2026 الموافق 19 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

دارفور في قلب الأزمة.. هل تتحول انشقاقات الدعم السريع إلى تفكك عسكري وسياسي؟

السودان
السودان

مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لم يعد الصراع يقتصر على سؤال السيطرة على الخرطوم ودارفور وكردفان، بل امتد إلى معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بقدرة قوات الدعم السريع على الحفاظ على شبكة الولاءات العسكرية والسياسية التي ساعدتها على الاستمرار في القتال رغم الخسائر والتحولات الميدانية.

وخلال عام 2026، برزت سلسلة من الانشقاقات لقادة عسكريين وسياسيين، في مؤشر على ضغوط متزايدة داخل قوة تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات محلية وقبلية وتحالفات مرتبطة بالموارد والسيطرة على الأرض، وفقًا لمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون».

أبو عاقلة كيكل.. البداية وليست النهاية

وكان أبو عاقلة كيكل أول قائد كبير يعلن انشقاقه عن قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، حيث سلّم نفسه إلى الجيش السوداني في أكتوبر 2024، بعدما كان أحد أبرز قادة الدعم السريع في ولاية الجزيرة.

ولم يمثل خروج كيكل خسارة عسكرية فقط، إذ أعقب انشقاقه وقوع هجمات دامية في مناطق بشرق الجزيرة، واتهم نشطاء قوات الدعم السريع بتنفيذ عمليات انتقامية ضد قرى مرتبطة بالقائد المنشق، وسط تقارير عن سقوط قتلى ووقوع انتهاكات وعمليات نهب ونزوح واسع.

وكشفت واقعة كيكل إحدى أبرز خصائص الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، إذ إن القائد المنشق قد لا يغادر بمفرده، وإنما يمكن أن يصطحب معه مقاتلين وشبكات علاقات محلية وخبرات ميدانية، وهو ما يحول الانشقاق من أزمة تنظيمية إلى معركة مباشرة على الولاء والنفوذ.

النور القبة.. انشقاق يحمل أهمية عسكرية

في أبريل 2026، تلقى الدعم السريع ضربة جديدة بانشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف باسم «النور القبة»، وانضمامه إلى الجيش السوداني.

وكان النور القبة من القادة الميدانيين البارزين في دارفور، وجاء انشقاقه في توقيت تشهد فيه خريطة السيطرة العسكرية في السودان تغيرات متسارعة، ما منح الخطوة أهمية تتجاوز مجرد خروج قائد عسكري.

وأشار مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى وصول النور القبة إلى الجيش السوداني مصطحبًا أصولًا ومركبات عسكرية، وهو ما عزز القيمة العسكرية للانشقاق.

وفي المقابل، بدا الجيش السوداني مستعدًا لتقديم نفسه باعتباره بوابة يمكن للمنشقين من خلالها العودة إلى مؤسسات الدولة، خاصة بعد إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إمكانية النظر في أوضاع من يترك القتال وينضم إلى جانب الدولة.

وتحمل هذه الرسالة أبعادًا عسكرية وسياسية في الوقت نفسه، إذ إن فتح باب العودة أمام المنشقين يمكن أن يتحول إلى أداة لاستنزاف الدعم السريع وتفكيك بنيته الداخلية.

سافانا.. من الاستثناء إلى ظاهرة متكررة

في مايو 2026، ظهر اسم علي رزق الله، المعروف باسم «سافانا»، ضمن موجة القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع، وارتبط الرجل بعمليات القوة في دارفور وكردفان، قبل إعلان مصادر متعددة انضمامه إلى الجيش السوداني.

ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في شخصية القائد وحدها، وإنما في تكرار سيناريو الانشقاق داخل الدعم السريع.

فالقوة لا تعتمد على هيكل عسكري تقليدي شديد المركزية، وإنما توسعت عبر قادة ميدانيين ووحدات قتالية وروابط محلية وقبلية، ولذلك فإن تتابع الانشقاقات يمكن أن يكشف عن ضغوط مرتبطة بتوزيع النفوذ والموارد، وليس فقط عن خلافات شخصية بين القادة.

خمسين.. عندما يتحول الانشقاق إلى انتقال للقوة

في أغسطس 2026، برز تطور أكثر دلالة مع انضمام موسى علي أحمد، المعروف باسم «خمسين»، إلى الجيش السوداني، برفقة قوة من مقاتلي الدعم السريع.

وتحدثت تقارير عن وصول عدد أفراد المجموعة إلى نحو 200 مقاتل، إلى جانب مركبات عسكرية، بعد انتقالها من شمال دارفور إلى مناطق يسيطر عليها الجيش السوداني.

ويختلف هذا النوع من الانشقاق عن خروج قائد بمفرده، لأنه يمثل انتقالًا فعليًا لقوة قتالية وموارد عسكرية إلى الطرف المقابل.

ويمثل ذلك تحديًا أكبر لقيادة الدعم السريع، خاصة إذا تحول انتقال مجموعات من المقاتلين إلى نموذج قابل للتكرار، وبدأت وحدات أخرى في النظر إلى الانضمام للجيش باعتباره خيارًا ممكنًا في ظل تطورات الحرب.

الانشقاقات تمتد إلى المجال السياسي

ولم تتوقف موجة الانشقاقات عند القادة العسكريين، وإنما امتدت إلى الشخصيات السياسية المرتبطة بالدعم السريع والتحالفات الداعمة له.

وفي يونيو 2026، أعلن فارس النور، المستشار السياسي السابق لقائد قوات الدعم السريع وعضو المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، انسحابه من مواقع مرتبطة بالقوة والتحالف السياسي الداعم لها.

كما أعلن حامد محمد حامد خليفة، الذي عُين واليًا على إقليم كردفان من جانب تحالف «تأسيس»، استقالته وانشقاقه.

ويعني ذلك أن الضغوط لم تعد محصورة في خطوط القتال، وإنما بدأت تظهر أيضًا داخل المشروع السياسي الذي حاول الدعم السريع وحلفاؤه تقديمه باعتباره بديلًا للسلطة المركزية في السودان.

دارفور.. أخطر ساحات تفكك الولاءات

تبقى دارفور واحدة من أكثر المناطق حساسية في ملف الانشقاقات، بسبب تداخل الولاءات العسكرية مع العلاقات القبلية والتاريخ الطويل للنزاعات المحلية.

وفي مثل هذه البيئة، لا يمكن دائمًا تعويض فقدان قائد محلي يتمتع بنفوذ اجتماعي وعسكري بمجرد تعيين قائد آخر، لأن جزءًا من قوته يعتمد على شبكة علاقات ممتدة داخل المنطقة.

كما أن خروج القادة لا يعني بالضرورة انتقال جميع أتباعهم إلى الجيش السوداني، فقد تنقسم الوحدات، ويغير بعض المقاتلين ولاءاتهم، بينما قد يتحول آخرون إلى مجموعات مسلحة مستقلة.

وفي منطقة تعاني أصلًا من تعدد الصراعات، يمكن أن يؤدي تفكك القيادة إلى ظهور جبهات جديدة لا تخضع بالكامل لأي من طرفي الحرب.

هل بدأت مرحلة انهيار الدعم السريع؟

ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية تسمح بالقول إن قوات الدعم السريع دخلت مرحلة انهيار شامل، إذ لا تزال تسيطر على مساحات واسعة وقادرة على تنفيذ عمليات عسكرية، في وقت أصبحت فيه الحرب تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة والهجمات بعيدة المدى.

لكن تتابع الانشقاقات يمثل تطورًا لا يمكن تجاهله، خاصة مع انتقال الظاهرة من قادة عسكريين إلى مجموعات مقاتلة وشخصيات سياسية.

ومن كيكل إلى النور القبة وسافانا، وصولًا إلى خمسين والشخصيات السياسية المرتبطة بتحالف «تأسيس»، تتسع دائرة الخروج وتتعدد مستوياتها.

ولهذا قد تصبح المعركة المقبلة في السودان أقل ارتباطًا بعدد الدبابات والمقاتلين، وأكثر ارتباطًا بقدرة كل طرف على الحفاظ على شبكات الولاء التي تحمل السلاح وتوفر النفوذ المحلي.