الثلاثاء 01 سبتمبر 2026 الموافق 19 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

الرئيس الصيني يكتب مقالًا عن التعاون مع مصر: «إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن»

الرئيس الصيني شي
الرئيس الصيني شي جين بينغ

تنشر جريدة «الأهرام»، غدًا الثلاثاء، مقالًا للرئيس الصيني شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين الشعبية، بعنوان: «إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن».

ويأتي نشر المقال بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، وإلى نص المقال…

«إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاما من التآزر والتضامن»

تلبية لدعوة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، سأقوم بزيارة الدولة لمصر قريبًا.

إنها زيارتى الثانية لهذه الأرض الخصبة التى يُغذيها نهر النيل منذ تولى منصب رئيس جمهورية الصين الشعبية. 

يقول المثل المصري: «من يشرب مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية» فى زيارتى السابقة لمصر قبل 10 سنوات، تركت مصر بحضارتها العريقة والمتجذرة وزخمها نحو التقدم والازدهار انطباعًا عميقًا فى ذهني. وفى هذه الزيارة، أتطلع إلى تبادل أطراف الحديث مع فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى حول سبل تعزيز الصداقة والتعاون، بما يرسم خطوطًا عريضة جديدة لتعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة القائمة بين الصين ومصر.

يقول المثل الصينى القديم: «الإخلاص للأصدقاء يُقرب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم». قد ساهم كل من الصين ومصر، باعتبارهما صاحبى حضارة عريقة، بالثروة الروحية الثمينة والكنوز الثقافية الرائعة فى تنمية المجتمع البشري. 

كانت الحضارة الصينية التى ولدت من رحم نهر يانغتسى والنهر الأصفر والحضارة المصرية القديمة التى ولدت من رحم نهر النيل، تتبادلان الإعجاب ببعضهما البعض رغم البعد الجغرافى بينهما، حيث تنقل الخزف والحرير والتطريز وتقنيات صنع الورق والصهر والصب من الصين إلى الغرب، وتدفقت التوابل والزجاجات وعلوم الفلك والتقويم من مصر إلى الشرق، وذلك عبر طريق الحرير القديم برًا وبحرًا الذى يمتد لآلاف السنين، ولم يشهد أى توقف لخطوات التبادل الودى بين الجانبين.

كانت القطع الأثرية الصينية المتميزة التى تم استخراجها من موقع الفسطاط الأثرى المصرى دليلا على الروابط الوثيقة والصداقة العميقة التى نشأت بين الشعبين الصينى والمصرى منذ القدم.

أقامت الصين ومصر العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمى قبل 70 عامًا، مما فتح بوابة الصداقة والتعاون بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية والإفريقية على مدى 70 عامًا حافلًا بالتحديات والصعوبات التى تم تجاوزها، صمدت العلاقات الصينية المصرية أمام اختبار تغيرات الأوضاع الدولية، وظلت تحافظ على اتجاه تطورها بدون انحراف وطبيعتها بدون تغيير وديناميكيتها بدون تراجع، وقد أصبحت نموذجا يحتذى به للتعاون الجماعى بين الصين والدول العربية والإفريقية وقدوة للتعايش الودى والتضامن والتعاون بين الدول النامية.

ظلت الصين ومصر أخوين حميمين يتآزران ويتساندان لبعضهما البعض. نشأت الصداقة العميقة بين شعبى البلدين فى نضالهما لتحقيق الاستقلال الوطنى ومقاومة الإمبريالية والاستعمار. أبدت الصين تضامنًا قويًا مع مصر فى نضالها لاستعادة سيادتها على قناة السويس، وفى المقابل، صوتت مصر بموقف ثابت مع عدد كبير من الدول الآسيوية والإفريقية ودول أمريكا اللاتينية لصالح الصين فى نضال الأخير لاستعادة مقعده الشرعى فى الأمم المتحدة. 

اليوم، يتبادل الجانبان الصينى والمصرى الدعم الثابت لجهود الجانب الآخر فى السير على الطريق التنموى الذى يتماشى مع ظروفه الوطنية، ويتبادلان الدعم الثابت للمصالح الحيوية والانشغالات الكبرى للجانب الآخر، مما أرسى أساسًا متينًا لتطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

ظلت الصين ومصر شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون، تعتبر مصر شريكا تجاريًا واستثماريًا مهمًا للصين فى العالم العربى وإفريقيا، وهى من أوائل الدول التى شاركت فى التعاون فى بناء «الحزام والطريق». إن منطقة السويس للتعاون الاقتصادى والتجارى بين الصين ومصر التى رفَعتُ أنا وفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى الستار عنها معا قبل 10 سنوات، أتت باستثمارات ضخمة وفرص عمل واسعة لمصر، الأمر الذى أسهم فى تسريع عملية التحديث فى مصر. 

أنجزت الشركات الصينية فى مصر أعلى مبنى وأول قطار مكهرب فى القارة الإفريقية، وأصبح البرتقال الطازج المصرى من أول دفعة للمنتجات الإفريقية التى دخلت سوق الصين بعد تنفيذ سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية على واردات الدول الإفريقية التى لها علاقات الدبلوماسية مع الصين، وذلك يدل على أن نتائج التعاون المتبادل المنفعة بين البلدين فى مختلف المجالات قد عادت بالنفع على أبناء الشعبين على نطاق واسع.

ظلت العلاقات الصينية المصرية نموذجًا ناجحًا للصداقة والاستفادة المتبادلة، تعتبر مصر أول دولة عربية وإفريقية وقعت مع جمهورية الصين الشعبية على اتفاقية بشأن التعاون الثقافي، وتكون التبادلات الشعبية والثقافية بين البلدين متنوعة ومزدهرة، حيث استقطب المتحف المصرى الكبير وغيره من المعالم المصرية عددًا كبيرًا من السياح الصينيين، ولقى «معرض الحضارة المصرية القديمة» الذى أقامه متحف شانغهاى فى العام الماضى رواجًا كبيرًا، وتم تدريس اللغة الصينية فى أكثر من 40 مدرسة ثانوية فى مصر، وقد استفاد عدد كبير من المصريين من تعاون البلدين فى مجال التعليم المهني. تتقارب الحضارتان الكبيرتان بإطراد رغم حواجز المكان والزمان، بما يسجل فصولًا من الصداقة بين الشعبين جيلًا بعد جيل باستمرار.

ظلت الصين ومصر صديقين مخلصين يتمسكان بالمساواة والثقة المتبادلة. فى مؤتمر باندونج المنعقد فى عام 1955، كانت الصين ومصر تدعمان بنشاط النضال ضد الإمبريالية والاستعمار، وتعملان معا على تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية والإفريقية. فى الوقت الراهن، تربط الصين ومصر الأهداف والمساعى المشتركة فى الحفاظ على النظام الدولى والدعوة إلى الإنصاف والعدالة وتطبيق تعددية الأطراف، إذ أن كلا من الجانبين يدعم بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطينى لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة، ويسعى إلى إيجاد حلول سياسية للقضايا الساخنة، وتحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة، الأمر الذى يجسد مسئوليتهما، باعتبارهما من دول الجنوب العالمى للتضامن وتقوية الذات والالتزام بالإنصاف والعدالة.

يمر كل من الصين ومصر بالمرحلة الحاسمة من التنمية والنهضة. حققت الصين بداية جيدة فى تنفيذ «الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية»، وهى تعمل جاهدة على خلق وضع جديد للتحديث الصينى النمط. أما مصر فتشهد تطورًا مزدهرًا فى بناء «الجمهورية الجديدة»، وهى تمضى قدما نحو أهداف «رؤية مصر 2030» بخطوات واثقة. فى هذا السياق، يحرص الجانب الصينى على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصرى لتعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، والدفع ببناء المجتمع الصينى المصرى للمستقبل المشترك، والعمل يدا بيد على تحقيق التحديث.

علينا أن نعزز الثقة المتبادلة ونكون قدوة فى توارث الصداقة. بما أن الصداقة الصينية المصرية نشأت بأيدى الجيل القديم من قادة البلدين، فيُعد توارث هذه الصداقة وتطويرها وتكريسها على نحو جيد مسئولية مجيدة على عاتق جيلنا. فى هذا السياق، ينبغى لنا مواصلة تبادل دعم المصالح الجوهرية والهموم الكبرى لبعضنا البعض، وتكثيف التواصل والتعاون بيننا فى جميع المجالات وعلى مختلف المستويات، ونقل عصا التتابع من الصداقة الصينية المصرية جيلا بعد جيل.

علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك، ونكون قدوة من التنمية المشتركة. تمتلك الصين أكبر المنظومات الصناعية وأكثرها تكاملا فى العالم، وتتمتع بالمزايا من حيث الأموال والتكنولوجيا والمعدات. أما مصر فتتمتع بعدد السكان الكبير والموارد الوافرة والسوق الواسعة. 

فى هذا السياق، ينبغى للجانبين تعميق المواءمة بين الاستراتيجيات التنموية، والعمل على التعاون فى بناء «الحزام والطريق» بالجودة العالية، وتوظيف الإمكانات الكامنة للتعاون، وتوسيع مجالات التعاون العملي، بما يضخ قوة دافعة لا تنضب للتعاون المتبادل المنفعة بين البلدين.

علينا أن نعتز بمزايانا الحضارية ونكون قدوة من التواصل الحضاري. ينبغى للصين ومصر، باعتبارهما صاحبى حضارة عريقة، تكريس مفهوم الحضارة المتمثل فى المساواة والاستفادة المتبادلة والحوار والتسامح، وتطبيق مبادرة الحضارة العالمية، والعمل على حماية الآثار الثقافية للبشرية، وبذل جهود مشتركة للدفع بالتعايش المنسجم بين مختلف الحضارات. وينبغى تعميق التواصل والتعاون بين الجانبين فى مجالات مثل التعليم والسياحة والعلوم والتكنولوجيا والصحة والرياضة وعلم الآثار، بما يشد روابط التعارف والتقارب بين الشعبين، ويضفى ديناميكية جديدة ومستمرة على تطور علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة الصينية المصرية، ويحشد قوة حضارية أكثر لدفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

علينا أن نمضى قدما إلى الأمام كتفا بكتف ونكون طليعة للحفاظ على العدالة والإنصاف. فى الوقت الحالي، تتطور التغيرات التى لم يشهدها العالم منذ مائة سنة بشكل متسارع، وتتشابك التحولات والاضطرابات فى الأوضاع الدولية. فى ظل هذه الظروف، ينبغى للصين ومصر، بصفتهما دولتين ناميتين كبيرتين وعضوين مهمين للجنوب العالمي، أن تنفذا تعددية الأطراف الحقيقية، وتعززا التنسيق والتعاون فى الساحة المتعددة الأطراف، وتبذلا جهودا مشتركة لتطبيق المبادرات العالمية الأربع على نحو جيد، وتعملا على صون السلام والاستقرار فى العالم والدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين.

علينا أن نتضامن بروح الفريق الواحد ونكون روادا لقيادة التعاون الصينى العربي، والتعاون الصينى الإفريقي، إن مصر، كدولة عربية وإفريقية كبيرة، تلعب دورًا مهمًا فى دفع التعاون الجماعى بين الصين والدول العربية وبين الصين والدول الإفريقية. يحرص الجانب الصينى على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصرى فى توسيع نطاق التأثير النموذجى للتعاون الصينى المصرى الناضج، وتوظيف الميزة الجغرافية الفريدة لمصر كحلقة وصل للعالم العربى وبوابة للقارة الإفريقية، والدفع على نحو معمق بتشكيل «معادلات التعاون الخمس» بين الصين والدول العربية وخطط الأعمال العشرة للشراكة بين الصين وإفريقيا من أجل الدفع المشترك بالتحديث، بما يدفع التعاون الصينى العربى والتعاون الصينى الإفريقى لمواكبة العصر والتقدم إلى الأمام بخطوات مستقرة ومستدامة.

تتطلب المسيرة الجديدة العمل الجاد بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن. إن الجانب الصينى على استعداد للعمل مع الجانب المصرى على التمسك بالغاية الأصلية ومتابعة أعمال الأسلاف، وفتح أُفق للمستقبل، وتبادل الدعم بعزم لا يلين فى طريق مؤدٍ إلى النهضة والازدهار، والعمل معا على خلق مستقبل أكثر إشراقًا لتنمية البلدين والعلاقات الثنائية.