بعد إتاحة مناهج البكالوريا.. أستاذ علم نفس يكشف أخطاء علمية ولغوية وتربوية بكتاب علم النفس
في الوقت الذي تستعد فيه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لتطبيق نظام البكالوريا المصرية، وتعمل على تقديم مناهج جديدة تتوافق مع فلسفة النظام وتدعم توجه الدولة نحو تطوير منظومة التعليم والارتقاء بمخرجاتها، أثارت مراجعة أكاديمية لكتاب علم النفس المقرر على طلاب الصف الثاني بمرحلة البكالوريا عددًا من الملاحظات بشأن المحتوى، شملت أخطاء لغوية وعلمية وتربوية، إلى جانب ملاحظات على صياغة الأهداف والأنشطة والمهام الأدائية وآليات التقييم.
تطوير منظومة التعليم والارتقاء
وجاءت الملاحظات التي طرحها الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، عقب إتاحة مناهج البكالوريا المصرية للاطلاع، مؤكدًا أن ما رصده يمثل نماذج من الملاحظات وليس حصرًا كاملًا للأخطاء الواردة بالكتاب، وأن الأمر يستوجب مراجعة عاجلة ودقيقة قبل الاعتماد النهائي للمناهج.
أخطاء لغوية في كتاب يفترض أن يكون نموذجًا للطلاب
وقال الدكتور عاصم حجازي إن مراجعة كتاب علم النفس تكشف عن وجود أخطاء لغوية متعددة، تنوعت بين أخطاء نحوية صريحة، وأخطاء في قواعد الإملاء ورسم الهمزات، فضلًا عن استخدام غير دقيق لعلامات الترقيم ووضع التنوين في غير مواضعه.
وأوضح أن الصفحة السابعة، على سبيل المثال، تضمنت في أحد المربعات النصية عبارة تحتاج إلى تصحيح لغوي، كما تضمنت الصفحة الرابعة عشرة خطأ لغويًا في عبارة «بعد الإسهامات التي قدمها علماء سابقين»، بينما الصواب «بعد الإسهامات التي قدمها علماء سابقون».
وأضاف أن الكتاب شهد كذلك اختلافًا في كتابة اسم العالم «هوارد جاردنر»؛ إذ ورد الاسم في الصفحة 14 بصيغة، ثم ظهر في الصفحة 15 بصيغة أخرى، وهو ما يشير، بحسب رأيه، إلى نقل ترجمة الاسم من مصادر مختلفة دون مراجعة أو تدقيق موحد.
ملاحظات علمية على عرض الذكاءات والموهبة
وأشار أستاذ علم النفس التربوي إلى أن الملاحظات لا تتوقف عند الأخطاء اللغوية، وإنما تمتد إلى بعض المعالجات العلمية للمفاهيم النفسية والتربوية.
ولفت إلى أنه في الصفحة 17 تم تقديم «الذكاء الوجداني» مباشرة بعد الذكاءات المتعددة لدى جاردنر، دون تنبيه علمي إلى أن جاردنر لم يدرج الذكاء الوجداني بهذه الصيغة ضمن أطره الثمانية، وإنما تناول الذكاء الشخصي والذكاء الاجتماعي كبعدين منفصلين.
وأكد حجازي أن الحديث عن الموهبة والمهارة والذكاء في الصفحتين 37 و38 يحتاج إلى مراجعة في ضوء الأطر والنماذج الحديثة، وعلى رأسها نموذج جانييه المتمايز للموهبة والتفوق، مشيرًا إلى ضرورة تقديم المفاهيم للطلاب بصورة تتفق مع التطورات العلمية الحديثة في المجال.
أخطاء في صياغة الأهداف التعليمية
وأوضح حجازي أن بعض الأهداف التعليمية الواردة في الكتاب لا تتفق مع قواعد صياغة الأهداف السلوكية القابلة للقياس.
وأشار إلى الصفحة 24، حيث ورد ضمن الأهداف تعبير «تستكشف الفرص التي يتيحها العالم الرقمي»، دون تحديد واضح لمستوى الأداء أو المخرج المطلوب من عملية الاستكشاف.
كما أشار إلى الصفحة 35، حيث ورد هدف يتضمن عبارة «تؤمن بعمق بقدراتك الفردية»، موضحًا أن فعل «تؤمن» يعبر عن حالة داخلية يصعب قياسها بصورة مباشرة، وبالتالي لا يصلح بهذه الصياغة هدفًا سلوكيًا قابلًا للقياس وفق التصنيفات العلمية للأهداف التعليمية، ومن بينها تصنيف بلوم.
تعبيرات عامية وتكرار داخل المحتوى
ورصد أستاذ علم النفس التربوي كذلك استخدام تعبيرات لا تتناسب، بحسب وصفه، مع طبيعة الكتاب المدرسي، ومنها تعبير «اعكس الآية» الوارد في الصفحة 29، معتبرًا أن مثل هذه التعبيرات العامية الدارجة لا ينبغي أن تكون جزءًا من صياغة كتاب أكاديمي موجه لطلاب مرحلة البكالوريا.
كما أشار إلى وجود تكرار لبعض النماذج والمعلومات، لافتًا إلى أن الحديث عن بيتهوفن في الصفحة 39 أعيد طرحه مرة أخرى في الصفحة 40، إلى جانب تكرار الجزء الخاص بهيلين كيلر وبيتهوفن في فقرتين متتاليتين.
وتساءل حجازي عن وضع هيلين كيلر وبيتهوفن تحت عنوان «موهوبون عرب ومصريون معاصرون من ذوي الإعاقة»، خاصة أن هيلين كيلر ليست مصرية أو عربية، كما أن إعادة ذكر بيتهوفن تحت العنوان ذاته تحتاج إلى مراجعة تحريرية واضحة.
قلب مفهوم العصابية في الكتاب
ومن أبرز الملاحظات العلمية التي أثارها حجازي ما ورد في الصفحتين 65 و66 بشأن مفهوم العصابية، موضحًا أن الكتاب ذكر أن الدرجة المرتفعة للعصابية تعني «الاتزان والصلابة الانفعالية»، بينما تعني الدرجة المنخفضة «القلق والحساسية الانفعالية»، مؤكدًا أن هذا التوصيف جاء معكوسًا، وأن الصياغة العلمية تحتاج إلى تصحيح.
إغفال الفارق بين الحيل الدفاعية واستراتيجيات المواجهة
كما انتقد حجازي معالجة الكتاب لموضوعات المواجهة والحيل الدفاعية، موضحًا أن الصفحتين 56 و57 لا توضحان التمايز الجوهري بين استراتيجيات المواجهة الواعية والحيل الدفاعية اللاواعية.
وأشار إلى أن غياب هذا التمييز قد يعطي الطالب انطباعًا مضللًا بشأن فاعلية بعض الآليات، مثل التبرير والإسقاط، باعتبارها وسائل تكيفية صحية، وهو ما يستوجب تقديم المفاهيم بصورة أكثر دقة ووضوحًا.
كثافة المحتوى ترفع العبء المعرفي على الطلاب
وأكد أستاذ علم النفس التربوي أن إحدى أبرز مشكلات الكتاب تتمثل في كثافة المحتوى وتكدس المعلومات داخل الصفحات، بما قد ينعكس على قدرة الطالب على الاستيعاب وعلى دافعيته للتعلم.
وقال إن صفحات الكتاب «مكدسة بالمعلومات بشكل يثير الملل والإحباط لدى الطلاب»، موضحًا أن بعض الصفحات تحتاج، من وجهة نظره، إلى إعادة توزيع محتواها على عدة صفحات حتى يتمكن الطالب من التعامل معها بصورة أكثر سهولة وفاعلية.
وأضاف أن العبء المعرفي في بعض الدروس «كبير جدًا»، نتيجة تزاحم المعلومات والمفاهيم، الأمر الذي قد يرهق الطلاب ذهنيًا ويؤثر سلبًا في دافعيتهم للتعلم.
مهام أدائية أكبر من قدرات الطلاب
وانتقد حجازي كذلك طبيعة عدد من المهام الأدائية الموجودة في نهاية الدروس، موضحًا أن أغلبها، وفق مراجعته، غير واضح وغير منطقي ولا يمكن قياسه بصورة دقيقة.
وأشار إلى أن بعض المهام تتطلب أدوارًا تفوق قدرات الطلاب في هذه المرحلة، بل وتحتاج في بعض الأحيان إلى متخصصين لتنفيذها، وهو ما لا يتناسب مع طلاب يخوضون تجربة دراسة علم النفس للمرة الأولى.
وأكد ضرورة مراعاة التدرج في بناء المهام وفق نظام «السقالات التربوية»، بحيث ينتقل الطالب تدريجيًا من المهام البسيطة إلى الأكثر تعقيدًا، بدلًا من طرح مهام تتجاوز مستوى خبرته وقدراته.
وأضاف أن عدم مراعاة هذه المبادئ يحول المهمة الأدائية من أداة حقيقية لقياس تعلم الطالب إلى «مهمة إنشائية كلامية وتفريغ شكلي للكلمات».
التقييمات تحتاج إلى معايير قابلة للقياس
وأوضح حجازي أن استمارات التقييم المرفقة بالدروس تحتاج هي الأخرى إلى مراجعة، لافتًا إلى افتقارها في بعض المواضع إلى الحدود القابلة للقياس الكمي والسلوكي المحدد.
وأشار إلى أن بعض عبارات المقاييس جاءت مركبة، وهو ما يخالف المعايير العلمية لبناء أدوات التقييم، مستشهدًا بالعبارتين الثالثة والرابعة في الجدول الأول بالصفحة 60 كنموذج على ذلك.
أنشطة لا تناسب طلاب البكالوريا
ولفت أستاذ علم النفس التربوي إلى أن بعض الأنشطة تستخدم لغة وأسلوبًا أقرب إلى المراحل الابتدائية، مثل تقديم مواقف من نوع «قام صديقك محمد...» أو «فعلت صديقتك أمنية...».
وأكد أن هذا الأسلوب قد يكون مناسبًا للأطفال في المراحل العمرية المبكرة، لكنه لا يتناسب بالضرورة مع طلاب مرحلة البكالوريا، الذين يفترض أن تقدم لهم أنشطة أكثر ارتباطًا بواقعهم واهتماماتهم، وتستثير فضولهم وقدرتهم على التفكير والتحليل.
مطالب بمراجعة عاجلة قبل الاعتماد النهائي
وشدد الدكتور عاصم حجازي على أن هذه الملاحظات، وغيرها، تستوجب التعامل معها بصورة عاجلة، خاصة أن مناهج البكالوريا المصرية تستهدف بناء نظام تعليمي حديث يسعى إلى اكتساب الاعتراف والاعتماد الدولي.
وأكد أن جودة المناهج لا تتعلق فقط بحداثة المحتوى، وإنما تمتد إلى دقة المعلومات، وسلامة اللغة، وصحة المفاهيم العلمية، ووضوح الأهداف، وقابلية الأنشطة والمهام للقياس والتنفيذ، فضلًا عن ملاءمة المحتوى للمرحلة العمرية للطلاب.
وطرح حجازي في ختام ملاحظاته تساؤلًا حول المعايير التي يتم في ضوئها اختيار القائمين على تأليف ومراجعة كتب البكالوريا المصرية، قائلًا إن العدد الكبير من الملاحظات التي يمكن رصدها في كتاب واحد، والتي يؤكد أنها «نماذج وليست حصرًا كاملًا»، يستدعي مراجعة آليات التأليف والتحكيم والمراجعة العلمية واللغوية للمناهج قبل اعتمادها بصورة نهائية.





