الإثنين 17 أغسطس 2026 الموافق 04 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من المستوطنات إلى الأمن.. لماذا تزداد تعقيدات المشهد في الضفة الغربية؟

صورة من اللقاء
صورة من اللقاء

تشهد الضفة الغربية تصعيدًا متزايدًا يثير مخاوف من تحول التوترات الحالية إلى واقع أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤه، في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية المرتبطة بالمستوطنات والإجراءات الأمنية على الأرض، بالتزامن مع اقتراب إسرائيل من استحقاقات انتخابية قد تدفع الحكومة الحالية إلى تكريس وقائع جديدة يصعب على أي حكومة مستقبلية التراجع عنها.

وأكد اللواء حابس الشروف، مدير معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، أن المشهد في الضفة الغربية أصبح صعبًا ومشتعلًا، محذرًا من أن استمرار التصعيد وازدياد حدته قد يجعل السيطرة عليه واحتواء تداعياته أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والاستيطانية في إدارة الوضع بالضفة الغربية.

وأوضح الشروف، خلال مداخلة مع الإعلامية هاجر جلال في برنامج «منتصف النهار» عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن مسار طويل من السياسات التي انتهجتها حكومة اليمين الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن التطورات الحالية تأتي في إطار مشهد تراكمي تشكل على مدار فترة طويلة وأصبح يفرض تحديات متزايدة أمام أي جهود تستهدف تهدئة الأوضاع أو إعادة إطلاق مسار سياسي.

تصعيد متراكم يهدد الضفة الغربية

ويرى مدير معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي أن خطورة التطورات الحالية تكمن في إمكانية تحولها من موجات متفرقة من التصعيد إلى حالة مستمرة يصعب معها إعادة ضبط الأوضاع، خاصة إذا تواصلت الإجراءات الإسرائيلية المرتبطة بالمستوطنات وازدادت حدة الاحتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

وأشار إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى خلق واقع جديد على الأرض، بحيث تصبح أي محاولة مستقبلية لتغيير هذا الواقع أكثر تكلفة سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يجعل التطورات في الضفة الغربية ذات أبعاد تتجاوز اللحظة الراهنة لتؤثر في فرص التسوية السياسية خلال السنوات المقبلة.

ولفت الشروف إلى أن إسرائيل مقبلة على انتخابات، وهو عامل سياسي مهم في تفسير بعض التحركات الحالية، موضحًا أن خلق أمر واقع جديد أمام أي حكومة إسرائيلية مستقبلية قد يجعل عملية إلغاء المستوطنات أو الانسحاب منها أكثر صعوبة، خصوصًا إذا أصبحت الوقائع الجديدة مرتبطة بترتيبات أمنية وسياسية ومصالح متشابكة على الأرض.

المستوطنات في قلب المشهد

وتحتل قضية المستوطنات موقعًا محوريًا في التطورات التي تشهدها الضفة الغربية، إذ يرى الشروف أن الإجراءات التي يجري تنفيذها على الأرض قد تؤدي إلى تثبيت وجود المستوطنات وتعزيز ارتباطها بالواقع السياسي والأمني الإسرائيلي، بما يزيد من تعقيدات أي مفاوضات مستقبلية بشأن الأراضي والحدود.

ويحذر هذا الطرح من أن استمرار بناء الوقائع الميدانية قد يقلص هامش المناورة أمام الحكومات الإسرائيلية القادمة، لأن التراجع عن إجراءات اتخذت خلال المرحلة الحالية قد يواجه بمعارضة داخلية وضغوط من قوى سياسية مرتبطة باليمين والمستوطنين.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو أزمة الضفة الغربية مرتبطة فقط بالتوتر الأمني اليومي، وإنما تمتد إلى مستقبل العملية السياسية وإمكانية الوصول إلى تسوية تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما يجعل كل خطوة ميدانية ذات تأثير محتمل على المسار السياسي الأوسع.

نقل مسؤولية إنفاذ القانون إلى الشرطة

وتناول الشروف تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بشأن نقل إنفاذ القانون المدني إلى الشرطة، موضحًا أن هذا التوجه يهدف، وفق رؤيته، إلى تخفيف الأعباء الواقعة على الجيش الإسرائيلي، لكنه في الوقت نفسه لا يتوافق مع طبيعة الوضع القانوني للضفة الغربية باعتبارها أرضًا واقعة تحت الاحتلال وفق ما يستند إليه القانون الدولي.

وأشار إلى أن نقل المسؤوليات من الجيش إلى الشرطة لا يحل جوهر الأزمة، لأن القضية في الأساس ترتبط بطبيعة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وبالسياسات التي يتم تنفيذها على الأرض، وليس فقط بالجهة الأمنية التي تتولى تنفيذ الإجراءات.

وأوضح أن التعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ملفًا أمنيًا داخليًا يمكن أن يثير تساؤلات قانونية وسياسية، خاصة أن طبيعة الأراضي المحتلة تفرض إطارًا قانونيًا مختلفًا عن القواعد التي تنظم إدارة الأمن داخل الدولة ذاتها.

انتقادات لدور الشرطة والمستوطنين

وأكد مدير معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي أن الشرطة، وفقًا للقانون الدولي، لا علاقة لها بما يجري في الضفة الغربية، معتبرًا أن نقل المسؤولية إليها يمثل محاولة لتجاوز جوهر المشكلة بدلًا من معالجة أسبابها، ومشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلي يدرك في الوقت نفسه أن الجيش سيواصل تقديم الدعم للمستوطنين.

وأضاف أن وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير يتبنى مواقف داعمة للمستوطنين، وهو ما يراه الشروف عاملًا يزيد من تعقيد الوضع الميداني، خصوصًا في ظل الاتهامات المتعلقة بتزايد الاعتداءات ضد الفلسطينيين.

وبحسب هذا التقييم، فإن المواطن الفلسطيني يبقى الطرف الأكثر تضررًا من استمرار هذه السياسات، في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والميدانية واتساع حالة عدم الاستقرار، بما ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للسكان وعلى إمكانية توفير بيئة مناسبة لأي تحرك سياسي.

نتنياهو ومسار السلام

ويرى الشروف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع عراقيل أمام أي تحرك مستقبلي يستهدف استئناف عملية السلام أو الوصول إلى حل سياسي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الإجراءات الجارية في الضفة الغربية تساهم في زيادة صعوبة الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.

وتزداد أهمية هذا الطرح في ظل استمرار الحديث عن حل الدولتين باعتباره أحد المسارات المطروحة لمعالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ إن اتساع المستوطنات وتغيير الواقع الميداني قد يجعلان تنفيذ أي اتفاق مستقبلي أكثر تعقيدًا، خصوصًا فيما يتعلق بالأرض والحدود وترتيبات الأمن.

كما أن استمرار التصعيد في الضفة الغربية قد ينعكس على الأوضاع الإقليمية بصورة أوسع، لأن الضفة تمثل جزءًا أساسيًا من القضية الفلسطينية، وأي تدهور كبير فيها يمكن أن يضيف مستوى جديدًا من التوتر إلى المشهد الإقليمي المتأزم أصلًا.