السبت 15 أغسطس 2026 الموافق 02 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

هل القيام للقادم من السنة؟.. عضو لجنة الفتوى بالأزهر يوضح الحكم الشرعي

الدكتور عطية لاشين
الدكتور عطية لاشين

ورد سؤال إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، حول حكم القيام لاستقبال الشخص القادم، وذلك عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حيث تساءل أحد الأشخاص عن حكم عدم قيام أحد الحاضرين لاستقباله، بعدما أوضح له أن القيام للقادم ليس من السنة.

وقال السائل في مضمون سؤاله إنه تقدم للسلام على مجموعة من الرجال، فقام الجميع لاستقباله، بينما لم يقم أحدهم، وعندما عاتبه على ذلك أجابه بأن القيام للقادم ليس من السنة، متسائلًا عن مدى صحة هذا القول والحكم الشرعي الصحيح في هذه الحالة.

عضو لجنة الفتوى بالأزهر يوضح حكم القيام للقادم

أجاب الدكتور عطية لاشين بأن الإسلام وضع مجموعة من الآداب التي تسهم في تعزيز المحبة والمودة والاحترام بين أفراد المجتمع، موضحًا أن إلقاء السلام من أبرز هذه الآداب التي حثت عليها الشريعة الإسلامية.

واستشهد عضو لجنة الفتوى بالأزهر بقول الله تعالى: «وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها»، مشيرًا إلى أن السلام يمثل وسيلة مهمة للتقارب بين الناس، سواء كان الشخص الذي يلقى عليه السلام معروفًا أم غير معروف.

كما أشار إلى ما ورد في السنة النبوية من الحث على إفشاء السلام وإطعام الطعام، باعتبارهما من الأعمال التي تساعد على تأليف القلوب وتقوية العلاقات الإنسانية، فضلًا عن إزالة ما قد يكون في النفوس من جفاء أو خصومة.

الإسلام يحث على حسن التعامل مع الآخرين

وأوضح الدكتور عطية لاشين أن حسن التعامل مع الناس لا يقتصر على إلقاء السلام، وإنما يشمل أيضًا اختيار الكلمات الطيبة والتعامل بأسلوب يحفظ للآخرين مكانتهم وكرامتهم.

وأشار إلى قول الله سبحانه وتعالى: «وقولوا للناس حسنى»، وكذلك قوله تعالى: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن»، مؤكدًا أن هذه التوجيهات تؤكد أهمية مراعاة مشاعر الآخرين، والحرص على التعامل معهم بما يحقق الاحترام والمودة.

وأكد أن آداب التعامل التي دعا إليها الإسلام تهدف إلى بناء مجتمع تسوده الرحمة والتقدير، بعيدًا عن مظاهر الجفاء أو التعالي، وهو ما يجعل مسألة القيام لاستقبال القادم مرتبطة أيضًا بالمقصد من هذا القيام والظروف المحيطة به.

القيام للقادم له أكثر من حكم شرعي

وأوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن القيام للقادم لا يأخذ حكمًا واحدًا في جميع الحالات، وإنما يختلف الحكم الشرعي بحسب الغرض منه وطريقة القيام وحال الشخص الذي يتم استقباله.

وأشار إلى أن النوع الأول من القيام هو القيام من أجل استقبال الشخص القادم ومصافحته وإكرامه، موضحًا أن هذا الفعل يدخل في دائرة الجواز والمشروعية، وقد يصل في بعض الحالات إلى درجة الاستحباب، خاصة عندما يكون الهدف منه إكرام الضيف وإزالة الوحشة عنه.

وأكد أن القيام بهذه الصورة لا يتعارض مع الآداب الإسلامية، بل يمكن أن يكون من مظاهر حسن الخلق والتعامل الكريم بين الناس.

دليل من السنة على القيام لاستقبال القادم

واستدل الدكتور عطية لاشين على مشروعية القيام لاستقبال القادم بما ورد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن النبي كان يقوم لابنته فاطمة رضي الله عنها عندما تدخل عليه.

كما استشهد بواقعة سعد بن معاذ رضي الله عنه، عندما قدم إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث أمر النبي أصحابه بالقيام له، وقال: «قوموا لسيدكم».

وأوضح أن هذه الأدلة تؤكد أن القول بأن القيام للقادم ليس من السنة على إطلاقه ليس دقيقًا، لأن الحكم يرتبط بسبب القيام والمقصود منه، وليس بمجرد كون الشخص القادم دخل إلى المجلس.

القيام قد يكون من مكارم الأخلاق

وأشار عضو لجنة الفتوى بالأزهر إلى أن القيام لاستقبال القادم قد يكون من مكارم الأخلاق، لأنه يعبر عن احترام الشخص وإكرامه، ويساعد على إزالة الشعور بالغربة أو الوحشة عند دخوله إلى المجلس.

وأضاف أن بعض المواقف الاجتماعية تحتاج إلى مراعاة مشاعر الآخرين، موضحًا أن الامتناع عن القيام في بعض الظروف قد يؤدي إلى فهم التصرف باعتباره نوعًا من الجفاء أو القسوة، خصوصًا إذا كان القيام المتعارف عليه في هذا الموقف هدفه الترحيب والاستقبال وليس التعظيم المبالغ فيه.

وأكد أن الإسلام دعا إلى مكارم الأخلاق، ومن بينها حسن التعامل مع الآخرين وتقدير مشاعرهم، بما لا يتعارض مع الضوابط الشرعية.

متى يكون القيام للقادم محرمًا؟

وفي المقابل، أوضح الدكتور عطية لاشين أن هناك صورة أخرى من القيام تختلف عن القيام بهدف الاستقبال والإكرام، وهي أن يحب الشخص أن يقوم الناس له لمجرد تعظيمه، وأن يستمروا في القيام له بينما هو جالس.

وأوضح أن هذه الصورة هي التي تدخل في النهي الوارد في الحديث النبوي: «من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار».

وبين أن النهي هنا لا يتعلق بمجرد قيام الشخص لاستقبال غيره، وإنما يتعلق بحالة يكون فيها القادم محبًا لأن يقوم الناس له تعظيمًا وإجلالًا، ويكره أن يجلسوا أو لا يقوموا له، بما يعكس شعورًا بالتكبر وطلب التعظيم.

الفرق بين الاستقبال والتعظيم

وأكد عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن هناك فرقًا واضحًا بين القيام لاستقبال القادم والقيام بهدف تعظيم الشخص وهو جالس، مشيرًا إلى أن فهم هذا الفرق يساعد على معرفة الحكم الشرعي بصورة صحيحة.

فالقيام لمصافحة القادم أو الترحيب به أو إكرامه لا يدخل في النهي، بينما يكون الأمر مختلفًا عندما يتحول القيام إلى وسيلة لإظهار التعظيم للشخص، ويصبح الشخص نفسه محبًا لذلك ومتطلبًا له.

ولذلك فإن الحكم الشرعي لا يمكن استخلاصه من مجرد الفعل منفردًا، وإنما يجب النظر إلى النية والمقصد والظروف التي يتم فيها القيام.

هل عدم القيام للقادم خطأ؟

وفي رده على السؤال، أوضح الدكتور عطية لاشين أن القول بأن «القيام للقادم ليس من السنة» على إطلاقه قول غير صحيح، مؤكدًا أن الأدلة الواردة في السنة النبوية تثبت مشروعية القيام في بعض الحالات، خاصة عندما يكون المقصود استقبال القادم وإكرامه.

وأضاف أن التعامل مع الأحكام الشرعية يجب أن يكون قائمًا على الأدلة، وليس على الانطباعات الشخصية أو إطلاق الأحكام دون التمييز بين الحالات المختلفة.

كما شدد على أهمية عدم نسبة قول إلى الشريعة الإسلامية دون دليل، مؤكدًا أن الإسلام حث على حسن الخلق وإكرام الناس ومراعاة مشاعرهم، مع وجود ضوابط تمنع تحويل التكريم إلى تعظيم مذموم أو تكبر.