صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في النمو الأفريقي
خلصت دراسة حديثة، نشرها موقع صندوق النقد الدولي على الويب، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح تكنولوجيا عامة الاستخدام قادرة على إعادة تشكيل الإنتاجية وأسواق العمل ومسارات النمو في أفريقيا، لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتوقف على قدرة دول المنطقة على تبني التكنولوجيا وتطوير استخدامها وتوسيع نطاقها بسرعة كافية. وتؤكد الدراسة أن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى أفريقيا ليست فقط خطر فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، بل قدرة الاقتصادات الأفريقية على اللحاق بالتحول التكنولوجي والاستفادة منه قبل أن تتسع الفجوة أكثر.
فرص اقتصادية هائلة... ولكنها مشروطة
تأتي هذه الرؤية في وقت يتسابق فيه العالم على الاستثمار في مراكز البيانات والطاقة وشبكات الاتصالات والحوسبة المتقدمة، بينما لا تزال أفريقيا تعاني اختناقات هيكلية تحد من قدرتها على دخول سباق الذكاء الاصطناعي من موقع قوي.
ووفقا لمؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي التابع لصندوق النقد فإن متوسط جاهزية أفريقيا جنوب الصحراء يبلغ 0.34، مقابل 0.63 لأوروبا و0.74 لأميركا الشمالية. ويقيس المؤشر مجموعة من العناصر، من بينها البنية التحتية الرقمية، ورأس المال البشري، والابتكار والاندماج الاقتصادي، والأطر القانونية والتنظيمية. وهذا يعني أن الفجوة الأفريقية لا تتعلق بجانب تقني واحد، بل بمنظومة متكاملة من الشروط التي يحتاجها الاقتصاد حتى يتمكن من استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
الكهرباء... عقبة تسبق الذكاء الاصطناعي
ربما تبدو المعادلة بسيطة، لكنها في أفريقيا شديدة التعقيد: لا يمكن تشغيل مراكز البيانات من دون كهرباء، ولا يمكن تقديم خدمات رقمية واسعة من دون شبكات مستقرة، ولا يمكن للاقتصاد الاستفادة من الذكاء الاصطناعي إذا كانت قطاعات واسعة من السكان تعاني أصلًا من ضعف الوصول إلى الطاقة.
ويشير صندوق النقد إلى أن نحو 53% فقط من سكان أفريقيا جنوب الصحراء لديهم إمكانية الحصول على الكهرباء، فيما لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت 38%. وتضع هذه الأرقام البنية الأساسية في قلب معركة الذكاء الاصطناعي، إذ إن التوسع في استخدام التكنولوجيا يتطلب استثمارات متزامنة في شبكات الكهرباء والاتصالات والمهارات الرقمية وحوكمة البيانات والأمن السيبراني.
ولا يرى الصندوق أن الحل يقتصر على توسيع شبكات الكهرباء التقليدية، بل يدعو أيضًا إلى التفكير في استثمارات أكثر استهدافًا في الشبكات المصغرة والبنية المحلية، خصوصًا حول المدارس والمراكز الصحية والمنشآت العامة. ويمكن لمثل هذه الاستثمارات أن تنشئ مراكز رقمية محلية تساعد على توسيع الوصول إلى الخدمات الرقمية والتعليم والتدريب، وربط المجتمعات الأقل حظًا بالاقتصاد الجديد.
الإنترنت والمهارات... النصف الآخر من المعادلة
إذا كانت الكهرباء هي الأساس المادي للثورة الرقمية، فإن الإنترنت والمهارات يمثلان بنيتها البشرية والاقتصادية. ويشير صندوق النقد إلى أن ضعف البنية الرقمية وارتفاع تكاليف الاتصال ونقص المهارات التقنية لا تزال من أبرز العوائق أمام تبني الذكاء الاصطناعي في القارة.
وتحتاج أفريقيا، وفق الدراسة، إلى توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت عريض النطاق، والاستثمار في شبكات الألياف الضوئية، وخفض تكاليف الاتصال، بالتوازي مع تطوير مهارات رقمية مرتبطة مباشرة باحتياجات سوق العمل.
مراكز البيانات... بداية سباق جديد
وتتزايد أهمية مراكز البيانات مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، لأنها تمثل البنية التحتية التي تعتمد عليها عمليات الحوسبة وتخزين البيانات وتشغيل الخدمات الرقمية. لكن التوزيع الجغرافي لهذه المراكز في أفريقيا لا يزال محدودًا ومتركزًا في عدد صغير من الدول، ما يثير مخاوف من أن تتركز فوائد الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات الأكثر تقدمًا داخل القارة.
ولهذا يقترح صندوق النقد التفكير في حلول إقليمية للحوسبة عالية الأداء، من بينها مراكز بيانات مشتركة، وتجميع قدرات وحدات معالجة الرسومات، والتعاون في شراء الخدمات السحابية، بما يسمح للدول التي لا تستطيع منفردة تحمل التكلفة العالية للبنية التحتية المتقدمة بالوصول إلى موارد الحوسبة اللازمة. المصدر: صندوق النقد الدولي، التوقعات الاقتصادية الإقليمية لأفريقيا جنوب الصحراء.
استثمارات التكنولوجيا تضع مصر داخل المشهد
وتظهر مصر ضمن الدول الأفريقية التي يجري إدراجها في خطط التوسع في البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي. وأبرمت شركة كاسافا تكنولوجيز اتفاقًا مع شركة إنفيديا بقيمة 700 مليون دولار لنشر 12 ألف وحدة معالجة رسومية في جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر والمغرب.
ويمثل إدراج مصر في هذه الخطة مؤشرًا على موقعها المحتمل في منظومة الذكاء الاصطناعي الأفريقية، لكن الاستثمار في وحدات الحوسبة وحده لا يكفي لضمان تحول اقتصادي واسع. فالعائد الحقيقي يتوقف على قدرة الدول على ربط هذه البنية التحتية بالجامعات والشركات والقطاع الصناعي والخدمات الحكومية، وتحويل الحوسبة المتقدمة إلى منتجات وخدمات وفرص عمل وإنتاجية أعلى.
الخطر ليس الذكاء الاصطناعي... بل التخلف عن ركبه
وتختلف طبيعة التحدي الأفريقي عن المخاوف التي تهيمن على النقاش في الاقتصادات المتقدمة. ففي حين ينصب جزء كبير من النقاش العالمي على الوظائف التي قد تختفي نتيجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يرى صندوق النقد أن الخطر الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى أفريقيا جنوب الصحراء يتمثل في عدم القدرة على تبني التكنولوجيا بالسرعة الكافية.