الأربعاء 22 يوليو 2026 الموافق 08 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

الحكومة تعيد صياغة استراتيجيتها لتأمين الغاز حتى 2029: فاتورة الواردات قفزت لـ 1.65 مليار دولار شهريا

الرئيس نيوز

تجري القاهرة محادثات مع عدد من كبرى شركات الطاقة وتجار الغاز العالميين لإبرام اتفاقات طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال، في تحرك يعكس سعي القاهرة إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة لعدة سنوات، وتقليل تعرضها لتقلبات السوق الفورية في وقت تتزايد فيه الضغوط على إمدادات الغاز المحلية وترتفع فيه تكلفة الاستيراد.

ووفقا لبلومبرج، تشمل المفاوضات شركات كبرى مثل شل، وتوتال إنرجيز، وبي بي، إلى جانب شركة هارتري بارتنرز، وسط مساع للحصول على ما بين 15 و18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال شهريًا لمدة لا تقل عن 3 سنوات، مع إمكانية تمديد الاتفاقات إلى 5 سنوات. المصدر: رويترز.

البحث عن الأمان بعيدًا عن سوق الغاز الفورية

 

يعكس الاتجاه نحو العقود طويلة الأجل رغبة مصر في الحد من المخاطر المرتبطة بشراء الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الفورية، حيث يمكن أن تتغير الأسعار بسرعة تحت تأثير الأزمات الجيوسياسية وتعطل طرق التجارة العالمية.

وذكرت بلومبرج أن اضطرابات الإمدادات العالمية والتوترات الإقليمية، بما في ذلك التداعيات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، زادت من أهمية تأمين إمدادات مستقرة للغاز. ويمنح التعاقد لعدة سنوات مصر قدرًا أكبر من القدرة على التخطيط لتكاليف الطاقة وتوفير احتياجات محطات الكهرباء والصناعة. 

فاتورة الاستيراد تقفز إلى مليارات الدولارات

تأتي المفاوضات في وقت ارتفعت فيه تكلفة واردات الغاز الطبيعي المسال المصرية بصورة حادة. ووفقًا لرويترز، قفزت تكلفة واردات الغاز المسال الشهرية من نحو 560 مليون دولار إلى حوالي 1.65 مليار دولار منذ اندلاع الأزمة، أي ما يقارب 3 أضعاف، ما يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة والاقتصاد المصري.

وبحسب مستويات الأسعار الحالية، قد تتراوح تكلفة الاتفاقات المقترحة بين 8 مليارات و11 مليار دولار سنويًا، إذا استمرت مصر في شراء الكميات المتوقعة بالأسعار السائدة، وهو ما يجعل تأمين الغاز ملفًا اقتصاديًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى القاهرة. 

الإنتاج المحلي يتراجع والطلب يرتفع

تتزامن المفاوضات مع تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز الطبيعي، في الوقت الذي يستمر فيه الطلب على الكهرباء والطاقة في الارتفاع.

وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن إنتاج الغاز المصري انخفض إلى أقل من 4.4 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال السنة المالية 2025 و2026، مع توقعات بمزيد من التراجع، الأمر الذي يدفع البلاد إلى زيادة الاعتماد على واردات الغاز المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية. 

واردات الغاز قد تتجاوز ألف مليار قدم مكعبة

وفقًا للتقديرات التي أوردتها رويترز، من المتوقع أن تتجاوز واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال 1080 مليار قدم مكعبة خلال السنة المالية 2026 و2027، في ظل الفجوة المتزايدة بين الإنتاج المحلي والطلب.

ويضع هذا التطور مصر أمام معادلة صعبة؛ فزيادة الواردات ضرورية لتأمين الكهرباء والصناعة، لكنها في الوقت نفسه ترفع فاتورة الطاقة وتزيد الضغط على العملة الأجنبية في اقتصاد يعاني بالفعل من ارتفاع مستويات الدين وتراجع قيمة الجنيه. 

من أزمة مؤقتة إلى استراتيجية طويلة الأجل

وأضافت بلومبرج أن مفاوضات القاهرة مع شركات الطاقة الكبرى لا ترمي بالأساس لشراء شحنات إضافية لتجاوز أزمة قصيرة الأجل، بل تشير إلى توجه نحو إعادة صياغة استراتيجية تأمين الغاز.

فبدلًا من الاعتماد بدرجة كبيرة على السوق الفورية، تسعى مصر إلى بناء محفظة من العقود طويلة الأجل تضمن تدفقات أكثر استقرارًا، وتقلل مخاطر ارتفاع الأسعار المفاجئ، خصوصًا في أوقات الأزمات العالمية التي يمكن أن تعيد توجيه شحنات الغاز من سوق إلى أخرى بحثًا عن أسعار أعلى. 

مصر في قلب سوق الغاز العالمي

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية بسبب موقع مصر في سوق الغاز الإقليمي، إذ تمتلك بنية تحتية لاستقبال الغاز المسال وإعادة ضخه إلى الشبكة المحلية، إلى جانب محطات إسالة يمكن أن تلعب دورًا في تجارة الغاز الإقليمية عندما تتوافر كميات كافية من الغاز المحلي.

لكن التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية، وتكلفة الاستيراد، وطموحات مصر في الحفاظ على دورها كمركز إقليمي للطاقة.

وتشير تجربة العام الماضي إلى حجم الضغوط التي يمكن أن تواجهها القاهرة في سوق الغاز. ففي مايو 2025، قالت رويترز إن مصر كانت تتفاوض لشراء ما بين 40 و60 شحنة من الغاز المسال، في ظل أزمة إمدادات متفاقمة وقبل ذروة الطلب الصيفي، مع تقديرات بأن تصل تكلفة تأمين تلك الشحنات إلى نحو 3 مليارات دولار بالأسعار السائدة آنذاك. 

فاتورة ضخمة مقابل تأمين الاستقرار

وتضع الصفقة المحتملة مصر أمام مفاضلة مصيرية بين تكلفة مرتفعة اليوم وفوائد تأمين الإمدادات لسنوات. فالعقود طويلة الأجل قد تمنح القاهرة حماية أكبر من تقلبات الأسعار ونقص الشحنات، لكنها في المقابل تلزمها بالتزامات مالية كبيرة في سوق يمكن أن تنخفض فيه الأسعار مستقبلًا.

ومع ذلك، فإن استمرار تراجع الإنتاج المحلي يجعل تأمين الغاز أولوية استراتيجية، خصوصًا أن أي نقص حاد في الوقود قد ينعكس على قطاع الكهرباء والصناعة والنشاط الاقتصادي بشكل عام.