الخميس 23 يوليو 2026 الموافق 09 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

سدود محتملة تكشف عبقرية المصريين القدماء في دهشور.. اكتشاف جديد يعيد فهم هندسة بناء الأهرامات.

الرئيس نيوز

في صحراء دهشور، حيث تقف أهرامات الأسرة الرابعة شاهدة على واحدة من أكثر مراحل الهندسة المصرية طموحًا، أخفت الرمال لآلاف السنين بقايا منظومة مائية ضخمة لم تحظى بالانتباه الكافي. وترجح دراسة علمية حديثة وجود سدين عملاقين وقناة لتحويل المياه بالقرب من الهرم الأحمر، في اكتشاف محتمل يفتح بابًا جديدًا لفهم علاقة المصريين القدماء بالمياه والسيول، وربما يعيد التفكير في طبيعة البنية التحتية التي أحاطت بمشروعات بناء الأهرامات.

خرائط أحواض التصريف المائي

نشرت مجلة نيتشر الدراسة، التي أعدها الباحثون كزافييه لاندرو، وجيوم بيتون، وسيد حميدة، واعتمدت على تحليل صور الأقمار الصناعية وخرائط أحواض التصريف المائي، وخلصت إلى وجود منشأتين طويلتين تعبران وادي دهشور. 

يرى الباحثون أن هاتين المنشأتين، اللتين كان يعتقد سابقًا أنهما ربما ارتبطتا بمنحدرات أو طرق لنقل الأحجار، تحملان خصائص هندسية تتوافق بصورة أكبر مع السدود. وتشير الدراسة إلى أن عمر نظام الري يعود إلى نحو 4550 إلى 4530 عامًا، وهي فترة تتزامن تقريبًا مع عصر بناء الهرم الأحمر. 

أهمية الاكتشاف

تكمن أهمية الاكتشاف في حجم المنشآت؛ إذ يبلغ طول كل واحدة منهما نحو 600 إلى 700 متر، وتمتد عبر الوادي وترتكز على جانبيه. ويرجح الباحثون أن المنشأة الشرقية كانت السد الرئيسي المخصص لاحتجاز المياه، بينما ربما أدت المنشأة الغربية وظيفة سد للتحكم في تدفق المياه، مع وجود بنية تشبه ما يعرف هندسيًا بـالمفيض المنقاري، يمكن أن تساعد في إبطاء حركة المياه واحتجاز الرواسب وتنظيم تدفقها باتجاه قناة تحويل قريبة. وإذا تأكد هذا التفسير ميدانيًا، فإن الأمر لن يتعلق بسد منفرد، بل بمنظومة هندسية متكاملة لإدارة المياه والسيطرة على حركتها.

تحليل هيدرولوجي

وأجرى الباحثون تحليلًا هيدرولوجيًا لتضاريس المنطقة، أظهر احتمال وجود اتصال بين وادي دهشور وروافد غربية لوادي طفلة، بما كان يمكن أن يتيح للنظام المائي المقترح الوصول إلى حوض تصريف تبلغ مساحته نحو 100 كيلومتر مربع، وربما يصل إلى قرابة 400 كيلومتر مربع في سيناريو أوسع. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها توحي بأن المهندسين القدماء ربما كانوا يتعاملون مع منظومة مائية تمتد على مساحة واسعة، وليس فقط مع مياه محلية محدودة بالقرب من موقع الهرم.

سدود متعددة الوظائف 

وفي بيئة صحراوية تتقاطع فيها الأودية القديمة مع مسارات السيول، يمكن لمثل هذه المنشآت أن تؤدي وظائف متعددة، من بينها حجز المياه مؤقتًا، وتخفيف سرعة تدفق السيول، واحتجاز الرواسب، وتوجيه المياه عبر قنوات محددة. 

هرم سنفرو في قلب القصة

وهنا يدخل الهرم الأحمر إلى قلب القصة. فهذا الهرم، الذي بناه الملك سنفرو، هو أعلى أهرامات دهشور وثالث أكبر الأهرامات المصرية بعد هرمي خوفو وخفرع في الجيزة. وتوضح وزارة السياحة والآثار المصرية أنه كان واحدًا من ثلاثة أهرامات ارتبطت بمشروعات سنفرو، وأن بناءه ربما بدأ في السنة الثالثة عشرة من حكمه واستغرق نحو عشر سنوات. ويُعد الهرم الأحمر محطة مهمة في تطور العمارة الهرمية المصرية، إذ يمثل أحد أبرز النماذج المبكرة للهرم ذي الجوانب الملساء المكتملة. 

ويمنح قرب السدود من الهرم الأحمر وقناة تحويل المياه المجاورة الفرضية بعدًا مثيرًا. فقد يكون النظام قد استخدم في إدارة المياه خلال فترة بناء الهرم أو في حماية منطقة العمل والمنشآت المحيطة بها. لكن الباحثين لا يقولون إنهم أثبتوا أن المصريين استخدموا المياه مباشرة في نقل الأحجار أو رفعها، ولا أن السدود كانت جزءًا مؤكدًا من عملية تشييد الهرم. وهذه النقطة لا تزال في إطار الاحتمال العلمي، وتحتاج إلى أدلة أثرية وجيولوجية مباشرة قبل اعتمادها كحقيقة تاريخية. 

وتتضاعف أهمية الدراسة لأن دهشور نفسها ليست مجرد موقع يضم أهرامات معزولة، بل منطقة ملكية واسعة شهدت مشاريع معمارية متعاقبة، وكان اختيارها مرتبطًا بالمشهد الجغرافي والجنائزي للعاصمة القديمة ممفيس. وتوضح المجلة أن دهشور كانت جزءًا من جبانة ممفيس، وأنها احتضنت أهرامات ملوك من الدولة القديمة والوسطى، فيما ارتبطت مشاريع سنفرو فيها بمحاولات متقدمة لتطوير العمارة الهرمية. ومن ثم، فإن احتمال وجود بنية لإدارة المياه يضيف عنصرًا جديدًا إلى فهم المنطقة باعتبارها مشهدًا هندسيًا متكاملًا، وليس مجرد مجموعة من المقابر والمنشآت الملكية. 

حذر علمي واضح 

لكن الدراسة، رغم أهميتها، تتعامل مع اكتشافها بحذر علمي واضح. فالمنشآت لم تخضع بعد لحفريات أثرية ميدانية تثبت بصورة قاطعة أنها سدود، كما أن طبيعة المواد والرواسب المرتبطة بها تحتاج إلى مزيد من الفحص. ولهذا فإن وصفها بـالسدود المحتملة يظل الأدق في هذه المرحلة. وستكون الحفريات وتحليل الطبقات الرسوبية والبحث عن آثار مباشرة للمياه القديمة عوامل حاسمة في اختبار الفرضية وتحديد تاريخ المنشآت ووظيفتها الفعلية.