الجمعة 17 يوليو 2026 الموافق 03 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تحقيقات وحوارات

يوسف بطرس غالي يكشف كواليس قرارات الإصلاح الاقتصادي في عهد مبارك.. ويرد على اتهامات إهدار أموال التأمينات

يوسف بطرس غالي
يوسف بطرس غالي

كشف الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، خلال حوار موسع في بودكاست «موعد مع لميس» مع الإعلامية لميس الحديدي، عن رؤيته لعدد من الملفات الاقتصادية الشائكة التي شغلت الرأي العام، متناولًا تجربته في العمل الحكومي والقطاع الخاص، وحقيقة الجدل حول أموال التأمينات، وقرارات الإصلاح الاقتصادي التي اتخذت خلال فترة توليه المسؤولية.

القطاع الخاص بيكسب فلوس.. والحكومة تمنح السلطة

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أنه لا يزال يحتفظ بلقب "ميكانيكي الاقتصاد" الذي أطلقه على نفسه خلال فترة توليه الوزارة، مشيرًا إلى أن انتقاله للعمل في القطاع الخاص لم يغير من طريقة تفكيره أو أسلوبه في تحليل المشكلات الاقتصادية.

طريقة تفكيري لم تتغير

وأوضح بطرس غالي، أن طبيعة تفكيره ما زالت قائمة على البحث عن كيفية عمل الأمور وإمكانية تطويرها أو إصلاحها، قائلًا إن من يولد بهذه العقلية يظل محتفظًا بها طوال حياته.

وردًا على سؤال حول ما إذا كان لا يزال يعتبر نفسه "ميكانيكيًا"، قال مازحًا إنه أصبح "ميكانيكيًا شيكًا وأغلى"، موضحًا أن العمل في القطاع الخاص يجعل هذه الخبرة أكثر قيمة من الناحية المادية.

وتحدث وزير المالية الأسبق عن الفارق بين العمل الحكومي والعمل في القطاع الخاص، مؤكدًا أن لكل منهما طبيعة مختلفة وتحديات خاصة، مشيرًا إلى أنه لا يمكن اعتبار أحدهما أفضل أو أسوأ من الآخر، وإنما تختلف طبيعة المشكلات والمسؤوليات في كل مجال.

القطاع الخاص يحقق مكاسب أكبر

وخلال الحوار، علقت الإعلامية لميس الحديدي بأن القطاع الخاص يحقق مكاسب أكبر بينما تمنح الحكومة سلطة، وهو ما وافق عليه بطرس غالي، موضحًا أن القطاع الخاص يتميز بالعائد المادي، في حين أن العمل الحكومي يمنح صاحبه مسؤولية وسلطة اتخاذ القرار.

وأكد أن قيمة السلطة لا تكمن في امتلاكها فقط، وإنما في كيفية استخدامها، موضحًا أن هناك من يستخدمها لتحقيق مكاسب مؤقتة أو شعبية زائفة، بينما يمكن استخدامها بطريقة تترك أثرًا مستدامًا يستفيد منه المجتمع حتى بعد انتهاء فترة المسؤولية.

وأشار بطرس غالي إلى أن المسؤولية الحقيقية لأي صاحب قرار تتمثل في توظيف الأدوات المتاحة لديه لإحداث تأثير إيجابي وبناء نتائج تستمر على المدى الطويل.

لا يمكن أهدر أموال التأمينات والمعاشات

وأوضح وزير المالية الأسبق، أن الاتهامات التي وُجهت إليه بشأن إهدار أموال التأمينات والمعاشات غير صحيحة.

وأضاف: "لا يمكن أخد فلوس ولا يمكن أجيب سيتي بانك ولا ممكن اعمل أي حاجة زي دي، غير إن القانون يمنع استثمار أموال التأمينات في خارج الديار المصرية".

وأوضح غالي أن القانون يمنع استثمار هذه الأموال خارج مصر، وأنه وقت طرح الفكرة لم يكن وزير مالية بل وزير اقتصاد، وبالتالي لم يكن يملك صلاحية التصرف في الأموال أو إدخال مؤسسات مصرفية أجنبية كما أشيع.

وأشار إلى أن الدكتورة ميرفت التلاوي وهي من أعظم السفراء الذين مثلوا مصر بالخارج، لكن فترة توليها وزارة التأمينات لم تتجاوز 18 شهرًا، والاتهام الذي تم توجيهه بأنني أدخلت سيتي بنك لاستثمار أموال التأمينات غير صحيح، لأن القانون يمنع ذلك، وما حدث كان مختلفًا تمامًا.

وكشف غالي عن تفاصيل الواقعة قائلًا: "في ذلك الوقت، كان هناك انهيار في جنوب شرق آسيا، العملات انهارت والبورصة المصرية تأثرت بشدة، رئيس الوزراء كمال الجنزوري، رحمه الله، كلمني وقال لي: البورصة وقعت، ماذا نفعل؟ فأجبته بأن البورصة كل اللي فيها تجزئة أفراد مش مؤسسات، قال لي طب ما تدخل مؤسسات قلت له أنت محتاج شركات تأمين والتأمين والمعاشات، يمكنها أن تسند السوق".

وتابع: "اقترحت أن تدخل التأمينات بجزء من فوائضها، فاتصلت بالدكتورة ميرفت التلاوي وشرحت لها الفكرة، وقلت لها: لو عندك فوائض ضعي جزءًا منها في البورصة، ستكسبين في النهاية".

وأردف: "جلسنا في منزلها بالزمالك وناقشنا الأمر، وقلت لها ضعي مليار جنيه واطلبي من شركات إدارة المحافظ أن تستثمرها في الأسهم، بالفعل طرحت الأمر واختارت شركة كونكورد لمحمد يونس ضمن الشركات".

العائد 23% سنويًا على مدى عشرين عامًا

وأكد يوسف بطرس غالي أن النتيجة كانت إيجابية للغاية، قائلًا: "العائد على هذه الأموال بعد عشرين سنة بلغ متوسطه 23% سنويًا، وهو ما يثبت أن الاستثمار كان ناجحًا، ولم يضيع أموال التأمينات كما أشيع".

عرضت رفع أسعار الطاقة بنسبة 5% ومبارك رفض

وقال وزير المالية الأسبق، إن أحداث يناير 2011 لم يكن منبعها الاقتصاد، بل أسباب أخرى، موضحًا أن بعض الأطراف استغلوا المشاكل الاقتصادية لإشعال الغضب، لكن الاقتصاد لم يكن المحرك الأساسي.

وأضاف: "أكيد أخطأنا اقتصاديًا، ومن أكبر الأخطاء كانت في أسعار الطاقة، لو كنا رفعنا الأسعار تدريجيًا بنسبة 5% ما كناش اضطرينا نرفعها مرة واحدة بنسبة 20 أو 50%، لكن الرئيس مبارك رفض وقتها".

قرارات الرئيس السيسي جريئة.. ولديه رؤية وطموح وهذه ميزة كبيرة

وتابع: "اليوم القيادة السياسية عندها الجرأة لاتخاذ القرارات الصعبة، والرئيس السيسي لديه رؤية وطموح ويعرف إلى أين يريد أن يصل، وإذا كان القرار صعبًا لكنه مطلوب فهو يتخذه، وهذه ميزة كبيرة".

وأوضح يوسف بطرس غالي أن الحكومة وقتها فكرت في التحول إلى الدعم النقدي، قائلًا: "أنا ورئيس الوزراء أحمد نظيف تكلمنا كثيرًا عن الدعم النقدي، لكن كان هناك عنصر من عدم الثقة بين الجمهور والحكومة، الناس كانت تقول إن الأسعار ستزيد ولن تكفي الفلوس لشراء نفس السلعة، بينما الدعم النقدي أكفأ بكثير من الدعم السلعي المباشر".

وأشار إلى أن الحل يكمن في إشراك الشعب في مراجعة الأسعار، قائلًا: "لو وضعت لجنة من اتحادات العمال والصناعات لمراجعة الأسعار كل 3 أشهر، وأثبتت أن الأسعار تحركت، سأحرك الدعم النقدي بما يتناسب، وهذا يخلق الثقة".

تعويم الجنيه في عام 2004

كما كشف عن تفاصيل تعويم الجنيه عام 2004، قائلًا: "كنا نعرف أن سعر الصرف سيتحرك بصعوبة، فتركناه يرتفع إلى 5.90 بدلًا من 5.20 لنخلق مخدة تخدم الاقتصاد لسنوات، لأن تحريك سعر الصرف يعطي ميزة للتصدير ويخلق فرص عمل، لكن في مصر 30% من أي حركة في سعر الصرف تدخل مباشرة على الأسعار المحلية".

وأوضح أن الفوارق بين الطبقات كانت واضحة وقتها، لأن الدخول كلها كانت تزيد لكن الدخول العليا كانت تزيد أسرع، وهذا طبيعي في الدول النامية خلال أول 4 إلى 6 سنوات من النمو، ثم تبدأ الفوارق في التراجع مع تحسن التشغيل وزيادة الدخول.

الدين أكبر تحدٍ للموازنة.. والحل في زيادة معدلات النمو وليس التوقف عن الاقتراض

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، أن الدين يمثل أكبر تحدٍ يواجه الموازنة العامة المصرية، موضحًا أنه يستحوذ على نحو 65% من الاستخدامات، وهو ما يؤثر على مرونة الموازنة وقدرتها على التحرك.

وأوضح، أن التعامل مع أزمة الدين لا يكون فقط من خلال تقليل الاقتراض، وإنما عبر تنمية موارد الدولة وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.

وردًا على سؤال حول ما إذا كان الحل يكمن في وقف الاقتراض أو الحد منه، قال غالي إن الاقتراض يجب أن يكون في حدود الموارد المتاحة، مؤكدًا أن الحل الأساسي لمشكلة المديونية هو رفع معدلات النمو.

وضرب غالي، مثالًا لتوضيح وجهة نظره، قائلًا إن وجود دين بقيمة 1000 جنيه مع دخل يبلغ 200 جنيه يمثل مشكلة، بينما يصبح الدين نفسه أقل عبئًا إذا ارتفع الدخل إلى 5000 جنيه.

وأضاف أن الدولة قد تحتاج إلى الاقتراض لتمويل قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والخدمات، لكن مع نمو الاقتصاد بمعدلات مرتفعة فإن الإيرادات سترتفع بوتيرة أسرع من زيادة الدين، ما يؤدي إلى تحسن الوضع المالي.

وأشار وزير المالية الأسبق، إلى أن مصر لديها حاليًا فائض أولي، بمعنى أن موارد الدولة تتجاوز نفقاتها قبل احتساب فوائد الدين، موضحًا أن الدين لا يرتفع إلا بمقدار الفوائد المستحقة عليه، وهو ما يؤدي اقتصاديًا إلى تراجع نسبة الدين مقارنة بالدخل مع مرور الوقت.

كما أكد غالي، على أن المؤشر الأهم ليس انخفاض قيمة الدين نفسها، وإنما انخفاض نسبة الدين إلى الناتج والدخل، باعتبارها المعيار الأساسي لقياس قدرة الاقتصاد على تحمل المديونية.

السلطة بتجمع الناس.. وبعد المنصب كل شيء بيتغير

وأكد وزير المالية الأسبق، أن تراجع عدد الأشخاص المحيطين بأي مسؤول بعد مغادرته المنصب يعد أمرًا طبيعيًا، موضحًا أن السلطة تجذب الكثيرين، لكن هذا الاهتمام يتراجع بمجرد انتهاء المسؤولية.

وقال غالي، إن هذه الظاهرة لا تخصه وحده، وإنما تنطبق على معظم من يتولون مناصب عامة، وردًا على سؤال حول استمرار تواصل الأشخاص الذين كانت تربطه بهم علاقات خلال فترة توليه المسؤولية أو أثناء وجوده خارج مصر: «قلّوا كتير.. لكن ده طبيعي، أي حد في منصب سلطة بيتجمع حواليه ناس، وأول ما يخرج من المنصب الأمور بتتغير».

كما استعاد وزير المالية الأسبق حديثًا دار بينه وبين زوجته الراحلة، مؤكدًا أنها كانت تتوقع هذا الأمر منذ سنوات، ونبهته إلى أن كثيرًا ممن يحيطون به بسبب المنصب لن يستمروا بعد مغادرته.

وقال غالي إن زوجته أخبرته قائلة: «شايف كل اللي حواليك دول؟ مش هتلاقيهم يوم ما تخرج من المنصب»، مضيفًا أنه كان يدرك بالفعل أن هذا الأمر سيحدث.

واعتبر وزير المالية الأسبق أن تغير طبيعة العلاقات بعد انتهاء المسؤولية يعد سلوكًا طبيعيًا يرتبط بطبيعة المناصب العامة، وليس حالة استثنائية تخص شخصًا بعينه.

زحمة شوارع مصر كانت وحشاني

وقال غالي، إنه بعد 14 عامًا من الغربة شعر وكأنه كان يعيش في صحراء ثم عاد ليجد مدينة كاملة في انتظاره، مضيفًا: "إنجلترا بلد عظيمة ومتقدمة وناسها طيبين، لكنهم ليسوا أهلي".

إنجلترا بلد عظيمة لكنها ليست أهلي

وأضاف بطرس غالي: "أتحدث الإنجليزية بطلاقة، وأجيد خمس لغات، لكن فقدت البرتغالية بسبب قلة الممارسة، لندن جميلة وبيتي هناك يطل على جنينة رائعة، لكن رغم كل ذلك لم يكن هذا بيتي الحقيقي ولا ناسنا، كنت أفتقد أهلي ووطني".

وتابع: "بدأت إقامتي في مصر في فبراير 2025، وعندما وصلت مطار القاهرة بعد سنوات الغربة فوجئت بوجود وزير المالية أحمد كجوك في انتظاري، قلت له وقتها: أنا مواطن، هل كل مواطن سيجد وزيرًا في استقباله؟ فرد عليّ بأنه لا يمكن أن يتركني دون استقبال".

وأكد: "كانت لحظة مؤثرة للغاية، لأنني وجدت شخصًا أعرفه ينتظرني، فخفف عني صدمة العودة، واحتضنا بعضنا بمحبة شديدة، سواء حين كنا نعمل معًا أو حتى الآن، فمحبتي له لا حدود لها".

وتابع: "كنت وزيرًا منذ أبريل 1993 وحتى يناير 2011 ماشوفتش شكل مطار القاهرة خالص، الوزراء بيسافروا ويرجعوا في كبار الزوار، فكل الفترة دي عمري ما شوفت المطار بتاع كل الناس، كانت صدمة سعيدة جدًا".

واستكمل: "أكثر حاجة كانت وحشاني في مصر الناس والزحمة والهيصة والشوارع اللي كلها دوشة" مؤكدًا أن مصر تغيرت وحدثت طفرة في البنية التحتية.