الخميس 16 يوليو 2026 الموافق 02 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

دراسة أممية: الطبقة الوسطى في مصر تواجه ضغوطًا متزايدة وفرص الصعود تتراجع

الرئيس نيوز

كشف تقرير رئيسي صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) بعنوان "الطبقة الوسطى في الدول العربية" أن هذه الطبقة في مصر والأردن وفلسطين ولبنان وتونس والكويت تواجه ضغوطًا متصاعدة بفعل تنامي القطاع غير الرسمي، وتراجع فرص العمل اللائق، وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، إلى جانب استمرار معدلات الفقر المرتفعة.

25 عامًا من البيانات تكشف الحقيقة: الطبقة الوسطى المصرية "متحركة" لكن نحو الأسفل

 

وفي دراسة جديدة صادرة عن معهد الأمم المتحدة للجامعة العالمية لبحوث اقتصاديات التنمية (يونو-وايدر) بجامعة مينيسوتا، استخدم باحثون قاعدة بيانات طولية فريدة تمتد لـ25 عامًا (1998-2023) لرصد كيفية تشكيل بيئة الطفولة -من دخل الأسرة إلى الحي السكني- لمستقبل المصريين الاقتصادي. وكشفت الدراسة عن مفارقة لافتة: مصر تبدو للوهلة الأولى بلدًا "شديد الحراك" من حيث الأجور والدخل، إذ تتنبأ زيادة دخل الأب بنسبة 1% بارتفاع دخل الابن بنسبة 0.11% فقط فقط، وهي نسبة تماسك بين الأجيال أقل بكثير من دول ذات دخل مرتفع، بل وأقل من دول نامية أخرى كالهند والصين. لكن الباحثين حذروا من أن هذا "الحراك" ليس بالضرورة مؤشرًا صحيًا، إذ إن جانبًا كبيرًا منه كان حراكًا نحو الأسفل لا الأعلى.

 

57% من الجيل الجديد أفقر من آبائهم

وأظهرت الدراسة أن 57% من جيل المصريين المولودين بين عامي 2000 و2018 شهدوا تراجعًا في أجورهم الحقيقية مقارنة بآبائهم، مقابل 24% فقط تمكنوا من تحقيق صعود اقتصادي حقيقي. وبالمقارنة، كانت النسب أقل سوءًا بالنسبة لجيل الثمانينيات، إذ شهد 43% منهم تراجعًا في الدخل مقابل 35% حققوا صعودًا. ويرجّح الباحثون أن هذا التراجع المتسارع بين الأجيال الأحدث يعود بشكل كبير إلى انهيار الطبقة الوسطى المصرية مع تراجع دور القطاع الحكومي، الذي كان تاريخيًا مصدرًا لوظائف مستقرة وجيدة الأجر.

 

الثروة لا تتحرك.. الأغنياء يبقون أغنياء والفقراء يبقون فقراء

 

وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن الثروة -على عكس الدخل والأجور- شديدة التماسك بين الأجيال في مصر، إذ تتنبأ زيادة ثروة الأب بنسبة 1% بارتفاع ثروة الابن بنسبة 0.57%. وتعني هذه النسبة عمليًا أن الأثرياء يبقون أثرياء؛ فمن بين الأطفال المولودين في أغنى 20% من الأسر، يظل 59% منهم ضمن هذه الشريحة عند بلوغهم سن الرشد، ولا ينزلق منهم إلى أفقر 20% سوى 2% فقط. أما بين الأطفال المولودين في أفقر 20% من الأسر، فيبقى 38% منهم حبيسي هذه الشريحة، ولا يصعد منهم إلى أغنى 20% سوى 7% فقط.

 

الحي السكني أقل أهمية من العائلة.. والزواج نقطة تحول ثروة حاسمة

ووجد الباحثون أن خلفية الأسرة تلعب دورًا أكبر بكثير من تأثيرات الحي السكني في تحديد مستقبل الفرد الاقتصادي في مصر؛ إذ إن مجرد توفر إمكانية الوصول لخدمات مثل المدارس والعيادات الصحية خلال الطفولة له تأثير ضئيل أو معدوم على النتائج الاقتصادية في مرحلة البلوغ، ما يعني أن بناء المزيد من المدارس وحده غير كافٍ إذا ظلت جودة التعليم متدنية وسوق العمل عاجزًا عن استيعاب الخريجين. 

 

العامل الوحيد المرتبط بالحي والذي يتنبأ بثروة الفرد البالغ بشكل ذي دلالة إحصائية هو متوسط ثروة المجتمع الذي نشأ فيه الطفل، ما يشير إلى أن النشأة في منطقة ميسورة تمنح مزايا اجتماعية تتجاوز أصول الأسرة والخدمات المتاحة للجميع. 

 

وحدد الباحثون محركين رئيسيين لتماسك الثروة بين الأجيال: الأول هو تحويلات الثروة المرتبطة بالزواج، إذ يحوّل الآباء المصريون مبالغ كبيرة من الثروة لأبنائهم عند الزواج -وهي اللحظة التي يُكوّن فيها معظم المصريين أسرة مستقلة عن ذويهم- بما يشمل غالبًا تمويل السكن وتأثيثه وتجهيزاته، مع ميل الآباء الأثرياء لتحويل ثروة أكبر لأبنائهم في هذه المرحلة. أما المحرك الثاني فهو أن نوع المهنة، على عكس الدخل، شديد التماسك بين الأجيال؛ إذ يعتمد الوصول للوظائف الرسمية عالية الجودة في مصر بشكل كبير على الشبكات الاجتماعية للأسرة، وحين تُعدّل الأجور لتعكس قيمة مزايا القطاع الرسمي كالتأمين الاجتماعي والأمان الوظيفي، ترتفع نسبة التماسك بين الأجيال بشكل ملحوظ من 0.11% إلى 0.25%.

 

حين يكون الفقر أقل لكن الغضب أكبر

 

تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حالة لافتة لباحثي الحراك بين الأجيال، لأن معدلات عدم المساواة فيها تبدو منخفضة نسبيًا حين تُقاس إحصائيًا، لكنها تُشعَر بأنها مرتفعة للغاية من قبل من يعيشون فيها، وهو ما تجلّى في تركيز شعارات ثورات الربيع العربي على قضايا العدالة الاجتماعية وعدم المساواة رغم الأرقام الرسمية.

 

توصيات الباحثين: الوظائف والثروة لا الخدمات وحدها

 

وتشكل نتائج الدراسة تحديًا صريحًا لصناع القرار؛ إذ تؤكد أن السياسات التنموية التقليدية التي تركز فقط على إتاحة الوصول للخدمات غير كافية لسد الفجوة بين الأجيال. ويوصي الباحثون بضرورة تحسين الوصول للوظائف عالية الجودة والحد من تماسك "نوع العمل" عبر خلق المزيد من الوظائف الرسمية وضمان توزيعها على أساس الكفاءة لا الشبكات الاجتماعية، إلى جانب استهداف عدم المساواة في الثروة تحديدًا باعتبارها المحرك الأساسي لاستمرار الفجوة الاقتصادية، لا الدخل وحده.