بالمستندات.. إحالة صاحب مكتب شهير للجنايات في قضية الاستيلاء على أراضٍ بتوكيلات مزورة
حصل "الرئيس نيوز" على تفاصيل أمر الإحالة وتحقيقات نيابة أكتوبر الكلية في القضية رقم 46789 لسنة 2026 جنايات الهرم، والمقيدة برقم 88 لسنة 2026 كلي أكتوبر، والتي انتهت فيها النيابة العامة إلى إحالة المتهم "كرم ع. م."، صاحب مكتب "المصرية اللبنانية"، إلى محكمة الجنايات، على خلفية اتهامات تتعلق بالاشتراك في تزوير محررات رسمية واستعمالها، في واقعة تقول التحقيقات إنها ارتبطت بسلسلة من التصرفات القانونية الخاصة بأراضٍ وعقارات مملوكة للمجني عليه الراحل سليمان نصري ناصيف.
وكشفت أوراق القضية عن مسار تحقيقات امتد لفحص توكيلات رسمية ومحاضر إيداع ومستندات صادرة من داخل مصر وخارجها، فيما استندت النيابة إلى تقارير فنية صادرة عن مصلحة الطب الشرعي، وأقوال عدد من موظفي الشهر العقاري وأمناء السر والجهات المختصة، وصولًا إلى اتهام المتهم بإضافة كلمة واحدة إلى صورة ضوئية من توكيل رسمي بما أدى – وفق التحقيقات – إلى تغيير أثره القانوني بصورة كاملة.
اتهامات النيابة
ووفق أمر الإحالة الصادر عن المستشار مصطفى بركات، المحامي العام الأول لنيابة أكتوبر الكلية، نسبت النيابة إلى المتهم، عدة اتهامات تتعلق بالاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع آخر مجهول في تزوير محرر رسمي هو التوكيل رقم 2139 حرف (ب) لسنة 2020 الصادر من مكتب توثيق جنوب القاهرة.
وقالت النيابة، إن التوكيل الأصلي كان ينص على أن الوكالة صادرة لوكيلين "مجتمعين"، إلا أن المتهم – بحسب ما انتهت إليه التحقيقات – اتفق مع آخر مجهول على إضافة كلمة "ومنفردين" إلى صورة التوكيل، بما يمنح أحد الوكيلين سلطة التصرف منفردًا دون اشتراط حضور أو موافقة الوكيل الآخر.
وترى النيابة أن هذه الإضافة غيرت الأثر القانوني للتوكيل بصورة جوهرية، إذ أتاحت للمتهم الظهور منفردًا أمام جهات رسمية ومحاكم وشهر عقاري واتخاذ إجراءات قانونية ترتبت عليها آثار تتعلق بملكية وتصرفات عقارية.
كما أسندت النيابة إليه الاشتراك بطريق المساعدة مع موظفين عموميين حسني النية في تحرير عدد من المحررات الرسمية، من بينها صحيفتا دعويين مدنيتين ومحاضر جلسات قضائية وتوكيلات رسمية لاحقة، مؤكدة أن الموظفين المختصين لم يكونوا على علم – بحسب التحقيقات – بوجود شبهة تزوير في المستندات المقدمة إليهم.
بداية الخيط من لبنان
وتكشف التحقيقات أن جذور القضية تعود إلى توكيل عام شامل يحمل رقم 3476 لسنة 2019 صادر من دولة لبنان ومنسوب للمجني عليه سليمان نصري ناصيف لصالح المتوفى فوزي يوسف سويدان.
وبحسب أقوال الشاهد الأول، المحامي رضا محمد مرسي مهدي، وكيل ورثة المجني عليه، فإن الورثة طعنوا على صحة ذلك التوكيل، مؤكدين أنه لم يصدر عن مورثهم وأن التوقيع والبصمة الواردين عليه لا يعودان إليه.
وأوضح الشاهد أن تحقيقات جرت في لبنان، بالإضافة إلى تقارير فنية للمضاهاة، انتهت – بحسب أقواله – إلى أن التوقيع المنسوب للمجني عليه غير صحيح.
وأضاف أن المتوفى فوزي يوسف سويدان استخدم ذلك التوكيل داخل مصر في استصدار توكيلات أخرى والتصرف في عدد من الأراضي والعقارات المملوكة للمجني عليه بمنطقة كفر الجبل في الهرم.
واتهم الشاهد المتهم المحال للجنايات بالمشاركة في تلك الوقائع، معتبرًا أنه كان على علم بالتوكيلات محل النزاع واستعملها في إجراءات وتصرفات لاحقة.
الطب الشرعي: التوقيع لا يخص المجني عليه
ومن بين أبرز أدلة القضية ما ورد على لسان الشاهد الثاني، عطية جمال عبدالناصر أحمد، خبير أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي.
وأكد الخبير أنه قام بفحص التوقيع المنسوب للمجني عليه سليمان نصري ناصيف والمذيل على التوكيل اللبناني رقم 3476 لسنة 2019، ومقارنته بنماذج توقيعات صحيحة منسوبة إليه.
وانتهى تقرير الفحص – بحسب أقواله – إلى أن التوقيع الوارد على التوكيل ليس صادرًا عن المجني عليه وأنه منسوب إليه على خلاف الحقيقة.
ويمثل هذا التقرير أحد المحاور الأساسية التي استندت إليها التحقيقات في التشكيك بصحة سلسلة التوكيلات التي بنيت عليها الإجراءات اللاحقة.
شهادة موظف التوثيق
وكشف الشاهد الثالث، وهو عضو فني قانوني بمصلحة الشهر العقاري، تفاصيل إصدار التوكيل رقم 2139 لسنة 2020.
وقال إنه حرر التوكيل بناءً على حضور فوزي يوسف سويدان بصفته وكيلًا عن المجني عليه استنادًا إلى التوكيل اللبناني المودع رسميًا.
وأوضح أنه اطلع على صورة طبق الأصل من التوكيل المودع، وأنه تبين له احتواؤه على صلاحية تخول الوكيل حق توكيل الغير.
وأشار إلى أن التوكيل المصري صدر لصالح شخصين هما مهدي فوزي يوسف سويدان والمتهم كرم علي محمد موافي، وأن النص الثابت بالأصل كان يقضي بأن تتم التصرفات "مجتمعين"، مع النص صراحة على عدم جواز التصرف من أحدهما منفردًا.
كلمة واحدة صنعت الفارق
وتبرز التحقيقات بصورة لافتة الأهمية القانونية لعبارة واحدة فقط هي "ومنفردين"، فبحسب الشاهد السابع، أحمد حسين مؤمن سالم، الباحث القانوني بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق، فإن الفرق بين عبارة "مجتمعين" وعبارة "مجتمعين ومنفردين" يعد فرقًا جوهريًا في نطاق الوكالة.
وأوضح أن الوكالة الصادرة "مجتمعين" لا تسمح لأي وكيل بالتصرف منفردًا، بينما تتيح عبارة "مجتمعين ومنفردين" لكل وكيل ممارسة الصلاحيات منفردًا دون الحاجة لحضور الطرف الآخر.
وأكد الشاهد أن أصل التوكيل المحفوظ بمصلحة التوثيق يتضمن عبارة "مجتمعين" فقط، وأن كلمة "ومنفردين" ظهرت في بعض الصور الضوئية المقدمة ضمن ملفات دعاوى ومستندات لاحقة.
وأضاف أن تلك الإضافة أحدثت أثرًا قانونيًا بالغ الخطورة لأنها أتاحت الانفراد بالتصرف في الحقوق محل الوكالة.
تقرير التزييف والتزوير
وجاء تقرير الإدارة المركزية لأبحاث التزييف والتزوير ليعزز تلك النتيجة.
فبحسب ما أثبتته النيابة في ملاحظاتها الرسمية، فإن خبراء الطب الشرعي انتهوا إلى أن لفظ "ومنفردين" الثابت بالصور الضوئية للتوكيل رقم 2139 لسنة 2020 قد أضيف في ظرف كتابي مغاير ولاحق للظرف الذي حررت فيه بيانات التوكيل الأصلية.
وقالت النيابة إن هذا الاستنتاج الفني أكد أن الكلمة لم تكن جزءًا من التوكيل عند تحريره لأول مرة.
كيف استُخدم التوكيل؟
وتقول التحقيقات إن المتهم استخدم النسخة المتضمنة لعبارة "مجتمعين ومنفردين" أمام جهات متعددة.
ففي الدعوى المدنية رقم 537 لسنة 2022 مدني جزئي الهرم، شهد معاون قضائي بأن المتهم حضر بصفته وكيلًا عن فوزي يوسف سويدان، وأقر بالبيع والتسليم وقبض الثمن ووقع على محضر الجلسة.
وأكد الشاهد أن المستند المقدم آنذاك كان يتضمن عبارة "مجتمعين ومنفردين"، وأنه لو كانت الوكالة تنص فقط على "مجتمعين" لما أمكن إثبات صفته أو السماح له بالتمثيل منفردًا.
وكرر الشاهد السادس، وهو كاتب أول بمحكمة جنوب الجيزة الابتدائية، المضمون ذاته بشأن دعوى أخرى حملت رقم 531 لسنة 2022 مدني جزئي الهرم، مؤكدًا أن الصفة التي قُبل بها المتهم أمام المحكمة استندت إلى التوكيل المتضمن لعبارة "مجتمعين ومنفردين".
تحريات الأموال العامة
أما الشاهد الثامن، رائد الشرطة بالإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة، فأكد أن التحريات التي أجراها توصلت إلى صحة وقائع التزوير المنسوبة للمتهمين.
وقال إن التحريات كشفت – بحسب ما ورد بأقواله – أن التوكيل اللبناني استُخدم في استصدار توكيلات أخرى داخل مصر، وأن المتهم كرم علي محمد موافي اشترك مع آخر مجهول في إضافة كلمة "ومنفردين" إلى التوكيل المصري الصادر عام 2020.
وأضاف أن هذه الإضافة مكنت المتهم من الانفراد بإبرام تصرفات قانونية ورفع دعاوى صحة ونفاذ وتمثيل أطراف فيها، وصولًا إلى اتخاذ إجراءات مرتبطة بملكية الأراضي محل النزاع.
ماذا قالت النيابة؟
وفي ختام أمر الإحالة، اعتبرت النيابة أن الأدلة والشهادات والتقارير الفنية تكفي لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم.
وأكدت أن الواقعة – وفق الوصف القانوني الوارد بالأوراق – تندرج تحت جرائم الاشتراك في التزوير في محررات رسمية واستعمال محررات مزورة، والمعاقب عليها بموجب المواد 40 و41 و211 و212 و213 و214 من قانون العقوبات.
وأمرت النيابة بإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات المختصة، مع استمرار إجراءات ضبطه وإحضاره، وإرفاق صحيفة حالته الجنائية، وندب محامٍ للدفاع عنه.





