بالمستندات.. تورط مقاولين ومسوقين عقاريين في شبكة لتجارة الآثار المزيفة داخل فيلا بأكتوبر
لم يكن سكان كومباوند شهير بمدينة السادس من أكتوبر، يتوقعون أن الفيلا الهادئة الواقعة داخل أحد الأحياء الراقية تخفي وراء أبوابها المفتوحة، نشاطًا معقدًا يجمع بين “الآثار المزيفة” والمخدرات والأسلحة النارية، في مشهد أقرب إلى أفلام الجريمة المنظمة منه إلى وقائع تُكشف داخل منطقة سكنية يفترض أنها محاطة بالحراسة والبوابات الإلكترونية والكاميرات.
وبحسب أوراق التحقيقات الرسمية التي حصل عليها "الرئيس نيوز"، فإن الهدوء الذي يميز تلك المجتمعات السكنية المغلقة، تحول فجأة إلى حالة من الصدمة بعد ظهور تفاصيل القضية رقم ٨٩٩٨ لسنة ٢٠٢٥ جنايات ثاني أكتوبر، والمقيدة برقم ٤١٦٢ لسنة ٢٠٢٥ كلي أكتوبر، والتي كشفت عنها أوراق التحقيقات وأمر الإحالة الصادر من نيابة أكتوبر الكلية، برئاسة المستشار مصطفى بركات المحامي العام الأول.
القضية، وفق المستندات، لا تتعلق فقط بمحاولة بيع تماثيل فرعونية مقلدة، وإنما تكشف عن شبكة تضم ١٥ متهمًا تنوعت وظائفهم بين مقاولين وأصحاب شركات وتجار ومسوقين عقاريين وسائقين وعمال وموظفات استقبال، قالت التحقيقات إنهم كوّنوا تشكيلًا تخصص في النصب على المواطنين عبر ترويج آثار مزيفة “يصعب اكتشافها على العامة”، مع حيازة مخدرات وأسلحة نارية وذخائر داخل الفيلا.
بداية الخيط.. سيارة تسير عكس الاتجاه تكشف شبكة كاملة
بحسب أقوال الشاهد الأول، النقيب فاروق زكريا محمد السيد حسان، معاون مباحث قسم شرطة ثاني أكتوبر، فإن البداية جاءت مصادفة أثناء مرور أمني، بعدما اشتبه في المتهم الأول إبراهيم محمد علي إبراهيم علي، البالغ من العمر ٢٧ عامًا ويعمل تاجرًا، أثناء قيادته سيارة عكس الاتجاه.
الواقعة التي بدت في لحظتها مخالفة مرورية عادية، سرعان ما تحولت إلى بوابة لكشف شبكة كاملة.
يقول الضابط في التحقيقات إنه استوقف المتهم، وبإنزاله من السيارة عثر بحوزته على سلاح ناري مذخر بطلقة، ثم أسفر التفتيش عن العثور على مواد مخدرة وقطعتين يشتبه في أثريتهما داخل السيارة.
وبحسب التحقيقات، أقر المتهم الأول بأن المضبوطات الأثرية “مزيفة” وتستخدم في النصب على المواطنين، كما اعترف بحيازته المواد المخدرة بقصد التعاطي، والسلاح الناري “لتأمين النشاط”، لكن المفاجأة الأكبر جاءت لاحقًا، عندما كشف المتهم – وفق رواية الضابط – عن وجود تشكيل يضم آخرين يتزعمهم المتهم الثاني، المقاول هيثم ع. ع.، البالغ من العمر ٤٢ عامًا، والمقيم بمدينة الشيخ زايد.
من تاجر إلى مقاول إلى مسوق عقاري.. قائمة متهمين تكشف تنوع الشبكة
أوراق القضية تكشف أن المتهمين لا ينتمون إلى خلفية واحدة، بل تجمعهم وظائف ومجالات متباينة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي جمعتهم داخل هذا النشاط.
القائمة تضم: مقاولين وأصحاب شركات وصاحب مصنع ملابس ومسوقًا عقاريًا وأصحاب مكاتب تشطيبات وسائقين وعمالًا وموظفات استقبال وصاحب شركة توريدات، وهذا التنوع، بحسب التحقيقات، لم يمنع من وجود دور لكل متهم داخل التشكيل، فالمتهم الثاني، وفق أقوال الضابط، كان “زعيم التشكيل”، بينما تولى آخرون عمليات التنقل والتخزين والترويج والتواصل مع الضحايا المحتملين.
الأكثر إثارة أن التحقيقات تتحدث عن وجود موظفات استقبال ضمن القضية، بينهن فتاة لم تتجاوز ١٧ عامًا، متهمة بحيازة أسلحة نارية رغم عدم بلوغها السن القانونية لحيازتها.
فيلا داخل كومباوند شهير.. والأسلحة في الداخل
بعد ضبط المتهم الأول، أرشد – بحسب التحقيقات – عن مكان المتهم الثاني، الذي ألقي القبض عليه وبحوزته حقيبة تحتوي على سلاح ناري وذخائر، لكن المشهد الأكثر خطورة ظهر عند الانتقال إلى الفيلا محل الواقعة.
الضابط قال إنه، وبالتنسيق مع قوة من مباحث أكتوبر، توجه إلى الفيلا التي دلهم عليها المتهم الثاني، وهناك كانت المفاجأة.
باب الفيلا كان مفتوحًا، وفي الداخل تواجد باقي المتهمين، بينما كان المتهم الثالث، وائل س. ع.، المسوق العقاري البالغ من العمر ٥٤ عامًا، ممسكًا ببندقية خرطوش، وبحسب أقوال الضابط، جرى ضبط باقي المتهمين داخل الفيلا، والعثور على مواد مخدرة بحوزة بعضهم، وقطع أثرية مزيفة داخل حقيبة تخص المتهم الثامن، إضافة إلى أسلحة نارية وذخائر.
المشهد الذي ترسمه التحقيقات يبدو أقرب إلى “وكر مغلق” تُدار داخله أنشطة متعددة، وليس مجرد مكان لتخزين تماثيل مقلدة.
بندقية آلية روسية وذخائر حية
تقارير الأدلة الجنائية المرفقة بالقضية تكشف أن الأسلحة المضبوطة لم تكن مجرد قطع غير صالحة أو أسلحة قديمة، بل أسلحة كاملة وصالحة للاستخدام.
فبحسب التقرير، ضُبطت: بندقية آلية روسية عيار ٧،٦٢×٣٩ مم وبندقية خرطوش وفرد خرطوش وذخائر حية متنوعة، وأكد التقرير الفني أن جميع الأسلحة والطلقات “كاملة وسليمة وصالحة للاستعمال”، وهذا الجزء من القضية يطرح تساؤلات إضافية حول سبب وجود هذا الكم من التسليح داخل فيلا سكنية، ولماذا احتاج المتهمون – بحسب أقوالهم – إلى أسلحة لتأمين نشاط بيع تماثيل مزيفة.
“آثار” مزيفة لكن بخداع شديد الإتقان
ورغم أن كلمة “مزيفة” قد توحي للبعض بمنتجات بدائية أو رديئة، فإن ما كشفه مفتشو الآثار في القضية يرسم صورة مختلفة تمامًا.
الشاهد الثالث، إيهاب محمد علي رفاعي علي، مدير إدارة الأحراز والمضبوطات الأثرية بوزارة السياحة والآثار، قال في التحقيقات إنه ترأس لجنة فحص المضبوطات، وانتهت اللجنة إلى أن القطع جميعها “غير أثرية”، لكنها صُنعت خصيصًا بغرض النصب والاحتيال على المواطنين، والأخطر في شهادته كان تأكيده أن هذه القطع “من الممكن أن ينخدع بها الشخص العادي”، وأنها جرى تصنيعها بطريقة تجعلها تبدو قريبة من القطع الفرعونية الحقيقية.
ولم يكتفِ بذلك، بل أوصى رسميًا بـ”إعدامها ومنع تداولها مرة أخرى”، هذه العبارة تحديدًا تكشف حجم القلق الذي أبدته اللجنة الفنية من إعادة استخدام تلك القطع في عمليات نصب جديدة.
كيف صُنعت التماثيل؟
تقرير لجنة الآثار تضمن وصفًا تفصيليًا للقطع المضبوطة، حيث قالت إن المضبوطات عبارة عن أربعة تماثيل “مصنوعة حديثًا” باستخدام: الأسمنت وأكاسيد ألوان حديثة ومواد رابطة حديثة ومعدن أصفر رقيق، كما أشارت إلى أن النقوش والكتابات الموجودة عليها “مقلدة” وتشبه الكتابات الهيروغليفية، لكنها منفذة بطريقة خاطئة.
ورغم ذلك، فإن اللجنة أقرت ضمنيًا بأن مستوى التقليد مرتفع بما يكفي لخداع غير المتخصصين، وأوضحت أن التماثيل تعاني من “عدم انضباط النسب التشريحية والسمات الفنية”، وهي التفاصيل التي يستطيع الخبراء فقط ملاحظتها بسهولة، بينما قد يعتقد المواطن العادي أنها قطع أثرية حقيقية.
تجارة الوهم.. كيف تُباع “الكنوز” للضحايا؟
قضايا “الآثار المزيفة” ليست جديدة في مصر، لكنها عادة ترتبط بعمليات نصب تستهدف الحالمين بالثراء السريع أو الباحثين عن الكنوز، في كثير من هذه الوقائع، يُقنع المحتالون الضحية بأنهم عثروا على قطع أثرية نادرة ويريدون بيعها سريعًا خوفًا من الملاحقة القانونية، ليجري الاتفاق على مبالغ ضخمة مقابل تماثيل أو مخطوطات أو عملات يتضح لاحقًا أنها مزيفة بالكامل، لكن الجديد في هذه القضية، وفق ما تكشفه التحقيقات، هو حجم التنظيم وتعدد المشاركين، فضلًا عن وجود أسلحة ومخدرات داخل المكان.
التحقيقات تشير إلى أن الهواتف المحمولة الخاصة ببعض المتهمين احتوت على صور ومحادثات ومقاطع مرئية تتعلق بالنشاط محل الاتهام، ووفق تقرير قسم المساعدات الفنية بوزارة الداخلية، فإن فحص هواتف المتهمين الثالث والرابع والتاسع والحادي عشر كشف عن مواد “تفيد ارتكابهم للواقعة”.
مخدرات داخل الفيلا
القضية لم تتوقف عند “الآثار المزيفة”، فتقارير المعمل الكيماوي كشفت عن ضبط هيروين ومشتقات فينيثيل أمين وأقراص باركينول وحشيش، كما ثبتت إيجابية عينات عدد من المتهمين لمواد مخدرة مختلفة، بينها الحشيش والميثامفيتامين والأمفيتامين.
النيابة نسبت لبعض المتهمين إحراز المواد المخدرة بقصد التعاطي، وليس الاتجار، لكن وجود المخدرات إلى جانب الأسلحة والتماثيل المزيفة داخل نفس المكان أضفى على القضية أبعادًا أكثر تعقيدًا.
فتاة قاصر ضمن المتهمين
من أكثر التفاصيل اللافتة في أوراق القضية وجود المتهمة الخامسة عشرة، وتدعى نيجار ط. ح.، وتبلغ من العمر ١٧ عامًا، غالتحقيقات نسبت إليها حيازة بندقية خرطوش وفرد خرطوش وذخائر، رغم أن القانون لا يجيز لها الترخيص بحيازة السلاح لعدم بلوغها ٢١ عامًا.
وجود فتاة قاصر داخل القضية يفتح بدوره تساؤلات حول طبيعة الدور الذي كانت تؤديه داخل الفيلا، وكيف وجدت نفسها وسط هذه الشبكة المعقدة.
لماذا أوصت اللجنة بإعدام المضبوطات؟
التوصية الصادرة عن لجنة الآثار بإعدام القطع المضبوطة بدت لافتة في صياغتها وحاسمة في مضمونها، فاللجنة لم تكتفِ باعتبار المضبوطات غير أثرية، بل اعتبرتها خطرًا قائمًا لإمكانية إعادة استخدامها في النصب على مواطنين آخرين.
اللافت أيضًا أن الشهود الفنيين الثلاثة – مدير إدارة الأحراز ومفتشا الآثار – أجمعوا على مضمون واحد تقريبًا، مفاده أن القطع مصنوعة خصيصًا لخداع غير المتخصصين، وهو ما يعني أن القضية، وفق التصور الوارد بالأوراق، لم تكن مجرد “هواية تقليد”، بل نشاطًا موجّهًا لتحقيق أرباح عبر الاحتيال.
“آثار” مزيفة لكن بخداع شديد الإتقان
ورغم أن كلمة “مزيفة” قد توحي للبعض بمنتجات بدائية أو رديئة، فإن ما كشفه مفتشو الآثار في القضية يرسم صورة مختلفة تمامًا.
الشاهد الثالث، إيهاب محمد علي رفاعي علي، مدير إدارة الأحراز والمضبوطات الأثرية بوزارة السياحة والآثار، قال في التحقيقات إنه ترأس لجنة فحص المضبوطات، وانتهت اللجنة إلى أن القطع جميعها “غير أثرية”، لكنها صُنعت خصيصًا بغرض النصب والاحتيال على المواطنين، والأخطر في شهادته كان تأكيده أن هذه القطع “من الممكن أن ينخدع بها الشخص العادي”، وأنها جرى تصنيعها بطريقة تجعلها تبدو قريبة من القطع الفرعونية الحقيقية، ولم يكتفِ بذلك، بل أوصى رسميًا بـ”إعدامها ومنع تداولها مرة أخرى”، وهذه العبارة تحديدًا تكشف حجم القلق الذي أبدته اللجنة الفنية من إعادة استخدام تلك القطع في عمليات نصب جديدة.
كيف صُنعت التماثيل؟
تقرير لجنة الآثار تضمن وصفًا تفصيليًا للقطع المضبوطة، حيث أوضح أن المضبوطات عبارة عن أربعة تماثيل “مصنوعة حديثًا” باستخدام: الأسمنت وأكاسيد ألوان حديثة ومواد رابطة حديثة ومعدن أصفر رقيق.
كما أشارت اللجنة إلى أن النقوش والكتابات الموجودة عليها “مقلدة” وتشبه الكتابات الهيروغليفية، لكنها منفذة بطريقة خاطئة، ورغم ذلك، فإن اللجنة أقرت ضمنيًا بأن مستوى التقليد مرتفع بما يكفي لخداع غير المتخصصين.
وأوضحت اللجنة أن التماثيل تعاني من “عدم انضباط النسب التشريحية والسمات الفنية”، وهي التفاصيل التي يستطيع الخبراء فقط ملاحظتها بسهولة، بينما قد يعتقد المواطن العادي أنها قطع أثرية حقيقية.
تجارة الوهم.. كيف تُباع “الكنوز” للضحايا؟
قضايا “الآثار المزيفة” ليست جديدة في مصر، لكنها عادة ترتبط بعمليات نصب تستهدف الحالمين بالثراء السريع أو الباحثين عن الكنوز، وفي كثير من هذه الوقائع، يُقنع المحتالون الضحية بأنهم عثروا على قطع أثرية نادرة ويريدون بيعها سريعًا خوفًا من الملاحقة القانونية، ليجري الاتفاق على مبالغ ضخمة مقابل تماثيل أو مخطوطات أو عملات يتضح لاحقًا أنها مزيفة بالكامل، لكن الجديد في هذه القضية، وفق ما تكشفه التحقيقات، هو حجم التنظيم وتعدد المشاركين، فضلًا عن وجود أسلحة ومخدرات داخل المكان.
التحقيقات تشير إلى أن الهواتف المحمولة الخاصة ببعض المتهمين احتوت على صور ومحادثات ومقاطع مرئية تتعلق بالنشاط محل الاتهام، ووفق تقرير قسم المساعدات الفنية بوزارة الداخلية، فإن فحص هواتف المتهمين الثالث والرابع والتاسع والحادي عشر كشف عن مواد “تفيد ارتكابهم للواقعة”.
مخدرات داخل الفيلا
القضية لم تتوقف عند “الآثار المزيفة”، فتقارير المعمل الكيماوي كشفت عن ضبط هيروين ومشتقات فينيثيل أمين وأقراص باركينول وحشيش، كما ثبتت إيجابية عينات عدد من المتهمين لمواد مخدرة مختلفة، بينها الحشيش والميثامفيتامين والأمفيتامين.
النيابة نسبت لبعض المتهمين إحراز المواد المخدرة بقصد التعاطي، وليس الاتجار، لكن وجود المخدرات إلى جانب الأسلحة والتماثيل المزيفة داخل نفس المكان أضفى على القضية أبعادًا أكثر تعقيدًا.





