الإثنين 01 يونيو 2026 الموافق 15 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

حرب لا يستطيع ترامب إنهاءها.. واشنطن تبحث عن صفقة وطهران تبحث عن عدو

الرئيس نيوز

لا يبدو الملف الإيراني اليوم كأزمة يمكن إغلاقها باتفاق أو تجميدها بعقوبات أو حتى إعادة تدويرها عبر مفاوضات جديدة، بل كحالة سياسية دائمة تعيد إنتاج نفسها كلما اقتربت من لحظة انفراج. في قلب هذا المشهد يعود اسم دونالد ترامب إلى الواجهة باعتباره رمزًا لمرحلة حاولت فيها واشنطن تحويل الصراع إلى صفقة سريعة تقوم على الضغط الأقصى، لكنها اصطدمت بجدار واقع أكثر تعقيدًا من أي معادلة تفاوضية تقليدية، كما ترجح مجلة ذي أتلانتيك.

اختلاف التعريف قبل اختلاف السياسات

جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الخلاف على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل في اختلاف الطرفين على تعريف طبيعة المشكلة نفسها. واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها ملف سلوك يمكن تعديله عبر أدوات الضغط والدبلوماسية، بينما تتعامل طهران مع العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها جزءًا من بنية أمنية وسياسية أوسع ترتبط بشرعية النظام ودوره الإقليمي. هذا التباين يجعل أي تقارب يبدو كأنه محاولة لربط نظامين يعملان وفق منطقين مختلفين تمامًا.

واشنطن بين دبلوماسية مشروطة وضغط لا ينتهي

داخل الولايات المتحدة لا يوجد مسار واحد واضح تجاه إيران، فصناع القرار مُنقسمون بين من يرى أن العودة إلى الاتفاقات المنظمة هي الطريق الأقل كلفة لتجنب التصعيد، وبين من يعتقد أن التجربة السابقة أثبتت هشاشة أي التزام إيراني طويل الأمد، هذه الانقسامات تجعل السياسة الأمريكية تتحرك بشكل متذبذب بين الانفتاح والحذر، دون أن تستقر على استراتيجية واحدة قابلة للاستمرار.

طهران.. السياسة الخارجية كامتداد للداخل

في المقابل، لا تفصل طهران بين سياستها الخارجية وحساباتها الداخلية. فخطاب المواجهة مع الولايات المتحدة ليس مجرد أداة تفاوض، بل جزء من سردية سياسية تُستخدم لتعزيز التماسك الداخلي وتبرير موقع الدولة في الإقليم. هذا التشابك بين الداخل والخارج يجعل أي تنازل كبير في الملف النووي أو الإقليمي قرارًا بالغ الحساسية، لا يُقاس فقط بنتائجه الخارجية بل بانعكاساته داخل بنية السلطة نفسها.

معادلة الضغط الأقصى

عودة اسم ترامب إلى النقاش لا تتعلق فقط بالتاريخ القريب، بل بطبيعة المنهجية التي يتبناها تجاه إيران، فسياسة الضغط الأقصى والانسحاب من الاتفاق النووي أعادت تشكيل قواعد اللعبة، لكنها لم تقدم بديلًا مستقرًا. فبينما يرى مؤيدوها أنها رفعت كلفة البرنامج الإيراني، يرى منتقدوها أنها ساهمت في تفكيك الإطار الدبلوماسي دون إنتاج مسار تفاوضي أكثر صلابة.

طريق لا ينتهي نحو صفقة نهائية 

حتى في حال إعادة فتح باب التفاوض، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يمكن أصلًا الوصول إلى “صفقة نهائية” في ظل هذا المستوى من انعدام الثقة؟ فكل تجربة سابقة تشير إلى أن الاتفاقات بين الطرفين لا تُغلق الملف بقدر ما تعيد ترتيبه مؤقتًا قبل أن يعود إلى نقطة التوتر مجددًا، ما يجعل فكرة الحل النهائي أقرب إلى استثناء تاريخي منها إلى قاعدة سياسية.

صراع مدار بدل سلام حقيقي

المسار الأقرب للواقع اليوم هو استمرار حالة “الصراع المدار”، حيث يتم احتواء التوتر دون إنهائه، وإبقاء الملف في حالة استقرار هش يمنع الانفجار لكنه لا يفتح الباب أمام تسوية دائمة. هذا النموذج يضمن الحد الأدنى من السيطرة على المخاطر، لكنه في الوقت نفسه يرسخ حالة استنزاف سياسي طويل الأمد في المنطقة.

أزمة تبحث عن نهاية

لا يبدو السؤال متعلقًا بقدرة أي رئيس أمريكي، بما في ذلك ترامب، على إنهاء هذا الصراع، بل بمدى قابلية هذا النوع من المواجهات البنيوية لأن يمتلك نهاية أصلًا. فبين واشنطن التي تبحث عن صفقة قابلة للقياس، وطهران التي تعيد تعريف معنى العدو، يبقى الملف عالقًا في مساحة رمادية لا تعترف بالحلول السهلة ولا بالانفجارات الحاسمة.