الثلاثاء 26 مايو 2026 الموافق 09 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
رياضة

المكسيك تحتضن منتخب إيران.. وكأس العالم يدخل العاصفة الجيوسياسية

الرئيسة المكسيكية
الرئيسة المكسيكية

قبل أقل من شهر على انطلاق بطولة كأس العالم 2026، لم تعد الأزمة المحيطة بالمنتخب الإيراني مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في تاريخ البطولة الحديثة. فبينما تستعد الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لاستضافة النسخة الأكبر في تاريخ المونديال، انفجرت فجأة معضلة إقامة البعثة الإيرانية، لتكشف كيف يمكن لكرة القدم أن تتحول في لحظة إلى امتداد مباشر لصراعات النفوذ والحسابات الأمنية في المنطقة، وفقا لشبكة فوكس نيوز الأمريكية.

وفي خطوة حملت أبعادا تتجاوز الرياضة بكثير، أعلنت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أن بلادها وافقت على استضافة المنتخب الإيراني طوال فترة البطولة، بعد تحفظ أمريكي واضح على وجود البعثة بالأراضي الأمريكية خارج أيام المباريات الرسمية. القرار بدا وكأنه تدخل سياسي هادئ لإنقاذ الفيفا من أزمة دبلوماسية متفجرة، خصوصا مع تزايد المخاوف من تعقيد مشاركة إيران في البطولة منذ أشهر.

واشنطن ترفض الاستضافة الكاملة.. والمكسيك تتدخل

بحسب ما كشفته شينباوم خلال مؤتمرها الصحفي اليومي، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم تواصل مباشرة مع الحكومة المكسيكية بعدما أبلغت السلطات الأمريكية الفيفا بعدم رغبتها في استضافة الوفد الإيراني طوال مدة البطولة. وأكدت الرئيسة المكسيكية أن بلادها "لا تملك سببا لمنع الإيرانيين من الإقامة"، في تصريح عكس رغبة مكسيكية في تقديم نفسها كطرف أكثر انفتاحا ومرونة من واشنطن في هذا الملف المعقد، وفقا لصحيفة تربيونا المكسيكية.

وبموجب الترتيب الجديد، سيقيم المنتخب الإيراني في مدينة تيخوانا الحدودية، القريبة من ولاية كاليفورنيا، على أن يسافر إلى الولايات المتحدة فقط أيام المباريات ثم يعود مجددا إلى الأراضي المكسيكية. هذه الصيغة الاستثنائية تعني عمليا أن أحد المنتخبات المشاركة في كأس العالم سيخوض البطولة بنظام تنقل أمني وسياسي غير مسبوق في تاريخ المونديال.

من توكسون إلى تيخوانا.. الجغرافيا السياسية تعيد رسم خريطة البطولة

الخطة الأصلية كانت تقضي بإقامة المنتخب الإيراني في مدينة توكسون بولاية أريزونا الأمريكية، باعتبارها قريبة من ملاعب المجموعة السابعة. لكن التطورات السياسية والأمنية خلال الأشهر الأخيرة دفعت المنظمين إلى إعادة النظر بالكامل في ترتيبات الاستضافة.

وسيخوض المنتخب الإيراني مبارياته الثلاث في دور المجموعات على الأراضي الأمريكية، إذ يواجه منتخب نيوزيلندا في لوس أنجلوس يوم 15 يونيو، ثم يلتقي منتخب بلجيكا في 19 يونيو، قبل أن يختتم الدور الأول بمواجهة منتخب مصر في سياتل يوم 26 يونيو. ورغم أن المباريات ستقام داخل الولايات المتحدة، فإن الإقامة اليومية للبعثة ستكون في المكسيك، في مشهد يجسد حجم التوتر المحيط بمشاركة إيران.

الضربات العسكرية قلبت المشهد بالكامل

الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة مطلع العام الجاري، بعدما تعرضت إيران لضربات أمريكية وإسرائيلية في فبراير الماضي. تلك التطورات دفعت الملف الرياضي إلى واجهة التوتر السياسي، خصوصا بعد تصريحات صدرت من مسؤولين إيرانيين ألمحت إلى احتمال الانسحاب من البطولة بسبب ما وصفوه بـ"الظروف غير الآمنة".

وفي ذروة التصعيد، أعلن وزير الرياضة الإيراني أن المشاركة في البطولة أصبحت موضع شك، قبل أن تبدأ لاحقا مفاوضات مكثفة بين طهران والفيفا وعدة أطراف دولية لإيجاد مخرج يحافظ على وجود المنتخب الإيراني في الحدث العالمي دون صدام سياسي مباشر مع واشنطن.

ترامب يبعث برسائل متناقضة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زاد المشهد تعقيدا بتصريحات متضاربة بشأن المنتخب الإيراني. ففي بعض المواقف قلل من أهمية مشاركة إيران قائلا إنه "لا يهتم" بالأمر، بينما وصفها في تصريحات أخرى بأنها "دولة مهزومة بشدة". لكنه عاد لاحقا ليؤكد عبر منصته الاجتماعية أن المنتخب الإيراني مرحب به، معتبرا في الوقت نفسه أن وجوده داخل الولايات المتحدة بشكل دائم أثناء البطولة "قد لا يكون مناسبا لأسباب تتعلق بسلامته".

ويعكس هذا التذبذب حجم الحساسية السياسية المحيطة بالقضية داخل الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل التوتر المستمر مع طهران، والضغوط الأمنية المرتبطة باستضافة حدث رياضي ضخم بحجم كأس العالم.

تأشيرات الدخول.. العقدة الأكثر حساسية

ورغم الإعلان عن الترتيب الجديد، لا تزال أزمة التأشيرات والأمن تلقي بظلالها على الملف الإيراني. فقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن اللاعبين الإيرانيين سيتمكنون من دخول الولايات المتحدة لخوض المباريات، لكنه أشار في المقابل إلى احتمال فرض قيود على بعض الإداريين أو المسؤولين المرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، المصنف أمريكيا كمنظمة إرهابية.

وفي المقابل، طالب الاتحاد الإيراني لكرة القدم بضمانات مكتوبة تشمل حماية الوفد، واحترام الرموز الوطنية الإيرانية، وتأمين التنقلات بين المكسيك والولايات المتحدة، إضافة إلى تسهيل منح التأشيرات لكامل البعثة دون استثناءات مفاجئة.

فيفا بين الحياد الرياضي والواقع السياسي

يجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه اليوم أمام واحد من أكثر الاختبارات تعقيدا في تاريخه الحديث. فالمنظمة التي طالما رفعت شعار "إبعاد السياسة عن الرياضة" باتت مضطرة للتعامل مع ملف يتشابك فيه الأمن والدبلوماسية والعقوبات الدولية والتوترات العسكرية.

وفي حين يسعى الفيفا للحفاظ على جدول البطولة دون تعديل، تبدو المكسيك الطرف الأكثر استفادة سياسيا من هذه الأزمة. فاستقبال المنتخب الإيراني منح حكومة شينباوم فرصة لتقديم نفسها كوسيط مرن ومستقل نسبيا عن الموقف الأمريكي، ورسخ صورة المكسيك كلاعب دبلوماسي قادر على التحرك في الملفات الحساسة بعيدا عن الاصطفافات التقليدية.

وهكذا، قبل أن تنطلق أول مباراة في كأس العالم 2026، تبدو البطولة وكأنها دخلت بالفعل أجواء مواجهة سياسية مفتوحة، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى خرائط النفوذ والتحالفات الإقليمية وحدود العلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة.