نهر اصطناعي عملاق.. "الدلتا الجديدة" ترسم خارطة الأمن الغذائي باستثمارات 800 مليار جنيه
في حدث لم تشهده مصر من قبل، وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت مبكر من الأسبوع الجاري وسط حقول قمح تمتد على أرض كانت بالأمس القريب صحراء جرداء قاحلة، ليعلن رسميًا افتتاح مشروع "الدلتا الجديدة"، الذي تصفه الحكومة بأنه أضخم مشاريع استصلاح الأراضي في التاريخ المصري الحديث، بل وصفه بعض المسؤولين بأنه أعظم إنجاز زراعي منذ بناء السد العالي.
الحفل لم يكن مجرد احتفالية روتينية، بل جاء متزامنا مع موسم حصاد القمح لعام 2026 على الأراضي المستصلحة حديثًا غرب دلتا النيل، في رسالة رمزية بالغة الدلالة لا تخطئها العين، مفادها أن مصر تزرع مستقبلها في رمال الصحراء، وتراهن على أن العلم والهندسة قادران على تحدي الجغرافيا، وفقا لصحيفة اتحاد الحبوب الأوكراني.
استثمارات تتجاوز 800 مليار جنيه
ويستهدف المشروع في نهاية المطاف استصلاح 2.2 مليون فدان، أي ما يعادل نحو 9000 كيلومتر مربع من الأراضي الصحراوية، بما يمثل توسعًا في الرقعة الزراعية المصرية بنسبة تقترب من 15 بالمئة، مع التركيز على القمح والذرة والخضروات إلى جانب محاصيل التصدير كالزيتون والتين. وقد بلغت الاستثمارات التي تم ضخها في المشروع حتى الآن 800 مليار جنيه، أي ما يزيد على 15 مليار دولار، أُنفقت على تجهيز الأراضي وإنشاء صوامع الغلال والمناطق الصناعية وشبكات الطرق الرابطة بين الصحراء المستصلحة ووادي النيل والموانئ.
وأشارت صحيفة ذا ناشيونال إلى أن هذا الرقم يجعل من "الدلتا الجديدة" واحدا من أضخم مشاريع البنية التحتية الزراعية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بأسرها.
وفي قلب هذا المشروع العملاق تكمن منظومة هندسية فريدة من نوعها هي "النهر الاصطناعي"؛ وهو عبارة عن نهر اصطناعي بطول 174 كيلومترًا، مدعوم بـ30 محطة ضخ عملاقة ومنظومة متطورة لمعالجة مياه الصرف في محطة الحمام، توصل المياه المعالجة والمعادة إلى أعماق هذه المنطقة المزروعة حديثًا، بكميات كافية لري ما يعادل ربع مساحة الأراضي الزراعية التاريخية في مصر.
محطة الحمام
تعد محطة الحمام لمعالجة المياه الأضخم من نوعها على مستوى العالم، بطاقة معالجة تبلغ 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، مما يجعلها ركيزة تقنية لا غنى عنها لاستدامة المشروع بأكمله على المدى البعيد.
والدافع الاستراتيجي وراء كل هذا واضح وشديد الإلحاح، ويعكس هشاشة بنيوية طالما أثقلت كاهل الاقتصاد المصري. فمصر تستورد 96 بالمئة من احتياجاتها من القمح، وكانت تعتمد بين عامَي 2017 و2022 على روسيا وأوكرانيا لتأمين 82 بالمئة من هذه الواردات، قبل أن تندلع الحرب وتتضاعف الأسعار بنسبة تجاوزت 40 بالمئة، كاشفةً عن هشاشة بالغة في منظومة الأمن الغذائي المصري.
الحد من الاستيراد
وجاءت جائحة كوفيد أيضًا لتضاف إلى قائمة الصدمات التي كشفت مدى اعتماد مصر على الخارج في تأمين الحبوب، مما رفع من الأولوية السياسية لهذا المشروع إلى مستوى غير مسبوق. وقد صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن المشروع يستهدف تحقيق الأمن الغذائي وتلبية احتياجات السكان المتزايدة من المواد الغذائية الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على الاستيراد، فضلًا عن توفير قرابة مليوني فرصة عمل وإسكان ما يصل إلى مليوني أسرة في مجتمعات عمرانية جديدة مخططة على طول محور الضبعة الممتد عبر محافظات البحيرة والجيزة ومطروح.
