الجمعة 15 مايو 2026 الموافق 28 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

لماذا تم حشو مومياء مصرية بجزء من ملحمة الإلياذة؟

الرئيس نيوز

أثار اكتشاف أثري في موقع أوكسيرينخوس بمصر جدلًا علميًا واسعًا، بعد العثور على مومياء من العصر الروماني محاطة بحزمة من البرديات المختومة تضمنت أجزاء من ملحمة الإلياذة لهوميروس. 

ويشير هذا الاكتشاف إلى أن النصوص اليونانية لم تكن مجرد مواد أدبية متداولة، بل ربما اكتسبت وظائف رمزية أو وقائية داخل الطقوس الجنائزية في مصر الرومانية، حيث كان يُنظر إلى الكتابة باعتبارها قوة مادية وروحية يمكن أن ترافق المتوفى وتحميه في رحلته إلى العالم الآخر. 

ويأتي ذلك ضمن سياق حضاري شديد التعقيد امتزجت فيه التقاليد المصرية القديمة مع الثقافة اليونانية والإدارة الرومانية، ما خلق بيئة سمحت بإعادة توظيف النصوص المكتوبة في أكثر من مستوى وظيفي ودلالي، وفقًا لمجلة ناشيونال جيوجرافيك.

وتوضح المعطيات الأثرية أن البرديات التي عُثر عليها فوق المومياء كانت محفوظة داخل حزم مغلقة بعناية باستخدام طين مختوم يحمل إشارات جنائزية وإدارية، ما يشير إلى أنها لم تُعامل كمجرد مواد حشو عشوائية، بل ضمن تنظيم دقيق يرتبط بممارسات الدفن في تلك الفترة.

تاريخ المومياء

ويعود تاريخ المومياء إلى العصر الروماني المبكر، حين كانت مصر جزءًا من منظومة إمبراطورية واسعة أعيدت فيها صياغة الهوية الثقافية عبر اللغة اليونانية التي أصبحت لغة التعليم والإدارة، بينما استمرت الطقوس المصرية في الحفاظ على طابعها الديني. 

وأدى هذا التداخل إلى ظهور استخدامات غير تقليدية للمواد المكتوبة، حيث لم تعد البرديات مجرد نصوص للقراءة، بل مواد قابلة لإعادة التدوير داخل الاقتصاد المادي للدفن.

ويرى باحثون أن وجود نص من الإلياذة يعكس المكانة المركزية التي احتلها هوميروس في التعليم والثقافة النخبوية في العالم الروماني، إذ كانت نصوصه تُدرّس في المدارس وتُنسخ على نطاق واسع، ما جعلها متوفرة بكثرة في مدن مثل أوكسيرينخوس. 

ومع مرور الوقت، كانت بعض هذه البرديات تتعرض للتلف أو تفقد قيمتها العملية، ما جعل إعادة استخدامها كمادة لف أو حشو داخل التحنيط أمرًا منطقيًا من الناحية الاقتصادية والمادية، خاصة في ظل ندرة الموارد الورقية وارتفاع قيمة إعادة التدوير في العالم القديم.

استخدام مقاطع من هوميروس في سياقات ممارسات علاجية

في المقابل، لا يستبعد اتجاه بحثي آخر أن النصوص الهوميرية قد احتفظت ببعد رمزي، إذ تشير مصادر يونانية لاحقة إلى استخدام مقاطع من هوميروس في سياقات تعاويذ أو ممارسات علاجية، حتى وإن كان ذلك غالبًا على شكل اقتباسات قصيرة لا نصوص سردية كاملة. 

لكن وجود أجزاء مرتبطة بـ”كتالوج السفن” يفتح بابًا لتأويل أوسع حول احتمال أن النص لم يكن مجرد مادة مادية، بل جزءًا من منظومة رمزية تربط بين الذاكرة الثقافية والطقس الجنائزي، حيث تُستخدم النصوص الكبرى كوسيلة لإضفاء معنى على الموت والعبور.

كما يقدم موقع أوكسيرينخوس نفسه إطارًا مهمًا لفهم هذه الظاهرة، إذ كشف عبر أكثر من قرن من التنقيب عن آلاف البرديات التي استُخدمت في الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه أُعيد توظيفها داخل صناعة الكرتوناج الخاص بالمومياوات.

حدود صارمة

هذا النمط المتكرر يعزز فرضية أن النصوص المكتوبة كانت تتحرك باستمرار بين الاستخدام الإداري والأدبي والمادي، دون حدود صارمة بين هذه الوظائف، ما يجعل العثور على نص أدبي داخل مومياء أمرًا متسقًا مع الممارسة الثقافية السائدة في ذلك الزمن.

وتشير قراءات أكاديمية حديثة إلى أن الإلياذة في مصر الرومانية لم تكن مجرد نص أدبي كلاسيكي، بل كانت جزءًا من بيئة معرفية واسعة تتشكل عبر التعليم والخطابة والنسخ اليدوي، حيث كان الطلاب والكتبة يتعاملون معها بشكل يومي. 

ومع تحول بعض هذه النسخ إلى مواد تالفة أو غير صالحة للاستخدام التعليمي، كان من الطبيعي إدخالها في دورة إعادة التدوير المادي، بما في ذلك استخدامها داخل الدفن، وهو ما يفسر وجودها في سياق جنائزي دون الحاجة إلى افتراض معنى طقسي مباشر.

وقدم تحليل أكاديمي منشور في مجلة “ذا كونفرسيشن” رؤية أكثر توازنًا، إذ يذهب إلى أن وجود مقطع من الإلياذة داخل مومياء مصرية لا يعكس بالضرورة طقسًا غامضًا أو اختيارًا رمزيًا واعيًا، بل يكشف عن حقيقة أعمق تتعلق بكيفية تداول النصوص في العالم الروماني، حيث كانت تتحول من أعمال أدبية إلى مواد مادية قابلة لإعادة الاستخدام، ما يجعل هذا الاكتشاف شاهدًا على “حياة النص” بعد كتابته، وعلى الطريقة التي كان الماضي يُعاد تشكيله ماديًا وثقافيًا باستمرار.