الرسوم الجمركية والحرب.. خطيئتان للإدارة الأمريكية في أبريل 2025 و2026
في غضون عامين فقط، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مشهد غير مسبوق من الارتباك السياسي والاستراتيجي. فمن حرب تجارية واسعة النطاق زلزلت أركان النظام الاقتصادي العالمي، إلى مواجهة عسكرية مع إيران فجّرت أكبر صدمة نفطية في التاريخ الحديث، بدا أن واشنطن انتقلت من موقع صانع التوازنات الدولية إلى لاعب يتحرك بردود فعل آنية، مدفوعًا بمنطق القوة المباشرة لا بحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى.
هذه الصورة القاتمة هي جوهر القراءة التي يقدمها الخبير الاقتصادي الأمريكي ستيفن روتش، زميل جامعة يال، في مقال نشرته صحيفة تشاينا يو إس فوكس، إذ يرى أن ما حدث في أبريل من العام الماضي وأبريل من العام الجاري لم يكن مجرد سلسلة أخطاء سياسية منفصلة، بل انعكاسا لأزمة أعمق داخل طريقة إدارة القوة الأمريكية نفسها.
ففي أبريل 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفه بـ"يوم التحرير"، عبر فرض تعريفات جمركية ضخمة على عدد من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. الخطاب حينها رُوّج باعتباره لحظة استعادة للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وإجراءً حاسمًا ضد ما اعتبره ترامب "استغلالا" للاقتصاد الأمريكي من قبل الحلفاء والخصوم على حد سواء، ووفقا للمقال، أشيع أن ترامب تعمد تأجيل الإعلان عن رسومه الجمركية في الأول من أبريل خشية أن يظنها الجمهور مزحة أو كذبة أبريل.
لكن النتائج جاءت معاكسة تمامًا لما تم الترويج له. فبدلا من تقلص العجز التجاري الأمريكي، فقد سجل الاقتصاد الأمريكي مستويات قياسية جديدة من العجز خلال عام 2025، بينما تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات واسعة، وارتفعت تكاليف الاستيراد والإنتاج داخل الولايات المتحدة نفسها.
وهنا، وفقا لما يرجحه ستيفن روتش، تكمن المفارقة الأساسية: الإدارة الأمريكية رفعت شعار حماية الاقتصاد الوطني، لكنها انتهت إلى زيادة الضغوط على المستهلك الأمريكي والصناعة الأمريكية معًا. والأهم من ذلك أن الحرب التجارية لم تُضعف الخصوم الاستراتيجيين بقدر ما دفعتهم إلى تسريع بناء شبكات اقتصادية بديلة خارج النفوذ الأمريكي.
غير أن الأزمة الأكبر جاءت في العام التالي. ففي أبريل 2026، دخلت واشنطن في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران من دون موافقة الكونغرس، في خطوة أثارت عاصفة دستورية وسياسية داخل الولايات المتحدة، فضلا عن تداعياتها الدولية الهائلة.
وكان الرهان الأمريكي يقوم على أن الضربات العسكرية السريعة ستؤدي إلى شل القدرات الإيرانية وفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط. لكن التطورات الميدانية كشفت سريعًا وهم هذا التصور. فإيران، رغم الضربات والخسائر، احتفظت بأهم أوراقها الاستراتيجية: السيطرة العملية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية.
ومع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، دخلت أسواق النفط في حالة ذعر غير مسبوقة، وقفزت الأسعار إلى مستويات تاريخية، لتتحول الحرب من عملية عسكرية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية مفتوحة.
لكن ما يلفت الانتباه في تحليل روتش هو أنه لا يركز فقط على النتائج الكارثية، بل على الطريقة التي صنعت بها القرارات نفسها. فالمشكلة، بحسب رؤيته، ليست في سوء التقدير التكتيكي فقط، بل في غياب التفكير الاستراتيجي من الأساس. ويستحضر الكاتب هنا فلسفة القائد والمفكر العسكري الصيني سون تزو، صاحب كتاب "فن الحرب"، والذي اعتبر أن الانتصار الحقيقي يتحقق قبل بدء القتال، عبر التخطيط العميق وفهم موازين القوى والعواقب المحتملة.
هذه الفلسفة تبدو، من وجهة نظر المقال، غائبة تماما عن طريقة إدارة ترامب للسياسة الدولية. فالرئيس الأمريكي، كما يصفه روتش، يتعامل مع الملفات الكبرى بعقلية الصفقات السريعة والانفعالات الشخصية، لا بعقلية المؤسسات والاستراتيجيات الطويلة الأجل.
وتبرز هذه الفجوة بوضوح في المقارنة مع الصين. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تتخبط بين التعريفات الجمركية والحروب المفتوحة، كانت بكين تتحرك بهدوء، معتمدة على استراتيجية النفس الطويل وإدارة التوازنات الدولية بأقل قدر ممكن من الصدام المباشر.
ولهذا يعتقد كثيرون أن القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لن تكون مجرد لقاء ثنائي عادي، بل مواجهة رمزية بين نموذجين مختلفين تمامًا في إدارة القوة. الأول يقوم على الاندفاع والتصعيد الإعلامي، والثاني يعتمد على الصبر والتخطيط وتراكم النفوذ بهدوء.
وبحسب القراءة المطروحة، فإن ترامب يدخل هذه القمة وهو في موقف أضعف مما يبدو عليه الخطاب الرسمي الأمريكي. فالإدارة الأمريكية تحتاج إلى إنجاز سياسي سريع يخفف آثار الإخفاقات الاقتصادية والعسكرية، بينما لا تبدو الصين مستعجلة على تقديم تنازلات كبرى، وهي تراقب خصمها يستنزف نفسه ذاتيًا.
الأخطر من كل ذلك أن الأزمة لم تعد خارجية فقط، بل باتت تمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه. فالتوتر السياسي الحاد، والانقسامات الداخلية، وتراجع شعبية الإدارة، كلها عوامل تثير مخاوف متزايدة بشأن شكل المشهد الأمريكي خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع اقتراب دورة الانتخابات الجديدة واحتمالات فقدان التيار الترامبي السيطرة على جزء من الكونجرس.
ومن هنا تأتي تحذيرات روتش من أن الولايات المتحدة قد تدخل مرحلة أكثر اضطرابًا إذا استمرت السياسة الأمريكية في إدارة الملفات الكبرى بمنطق رد الفعل والانقسام الداخلي بدلًا من بناء رؤية استراتيجية متماسكة. فالرسالة التي يحاول المقال إيصالها تتجاوز شخص ترامب نفسه. القضية الأعمق تتعلق بمستقبل القيادة الأمريكية للعالم: هل لا تزال واشنطن قادرة على إدارة النظام الدولي بالعقل الاستراتيجي الذي أسسته عليه بعد الحرب العالمية الثانية، أم أنها أصبحت أسيرة حسابات انتخابية قصيرة المدى وصراعات داخلية متفاقمة؟
ويعود الكاتب إلى حكمة سون تزو التي تبدو وكأنها تلخص المشهد بأكمله: "القيادة تقوم على الذكاء، والثقة، والإنسانية، والشجاعة، والحزم". وبينما تتحدث واشنطن بلغة القوة المباشرة، يبدو أن خصومها باتوا أكثر إدراكًا لأهمية الصبر والتخطيط وإدارة الزمن السياسي.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة الكبرى في عالم اليوم؛ إذ أن القوة العسكرية والاقتصادية وحدها لم تعد كافية لضمان التفوق، بل إن القدرة على التفكير الاستراتيجي أصبحت السلاح الأهم في رسم مسارات النفوذ ومآلاته في القرن الحادي والعشرين.