الجمعة 01 مايو 2026 الموافق 14 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

الإنترنت والذكاء الاصطناعي في الحرب.. أسلحة رقمية فتاكة تهدد البشرية

الرئيس نيوز

على الرغم من حداثتها، لم تعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي والإنترنت مجرد أدوات تقنية تخدم الاقتصاد والترفيه، بل باتت عصب الحروب الحديثة وميدانها الأول قبل انطلاق الرصاصة الأولى. وفي عام 2026، تدور الحروب على جبهتين متوازيتين؛ أما الأولى فهي الجبهة المرئية التي تتصدر الصورة بها الدبابات والصواريخ، وأما الأخرى فقد أصبحت جبهة خفية متشعبة تحكمها الخوارزميات والشبكات والبيانات، ومن أوكرانيا إلى غزة، ومن هرمز إلى موسكو وواشنطن، تتحول المعطيات الرقمية إلى قرارات حياة أو موت في ثواني معدودة.

المسيرات.. حين أصبح الذكاء الاصطناعي مقاتلا

في ساحات المعركة الأوكرانية، أعاد الذكاء الاصطناعي رسم خرائط الحرب من أساسها. وعلى سبيل المثال، في مارس 2026 وحده، كانت الطائرات المسيرة تتسبب في 96% من إجمالي 35،551 إصابة روسية على جبهات القتال، فيما تشير تقديرات وزير الدفاع الأوكراني إلى أن المسيرات الأوكرانية قتلت أو أصابت بصورة خطيرة أكثر من 240،000 جندي روسي خلال عام 2025 وحده. 

لكن الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة، ارتفعت دقة الضربات عبر الطائرات المسيرة ذات المنظور الأول من 30-50% إلى ما يقارب 80% بعد دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة الاستهداف، وفقا لتقرير نشرته مجلة وور روم، وهو ما يعني تضاعف الفتك بشكل شبه حسابي، تضم أوكرانيا اليوم نحو 500 شركة محلية لتصنيع الطائرات المسيرة، تنتج ما يصل إلى 200،000 طائرة مسيرة من طراز FPV شهريًا، فيما أعلن الرئيس زيلينسكي قدرة بلاده على تصنيع 4 ملايين طائرة مسيرة سنويا.

أما المشهد الأكثر إثارة، فهو ما كشفته مجلة IEEE Spectrum في أبريل الجاري حين وصفت عالما موحشا لا يزال في أطوار التشكل، وقوامه آلاف الروبوتات البرية تزحف عبر المنطقة الرمادية على طول الجبهة الشرقية في أوكرانيا، معظمها يستخدم لنقل الإمدادات وإخلاء الجرحى، غير أن بعض "روبوتات القتل" المزودة بأبراج ورشاشات تتحكم فيها عن بعد جرى اختبارها بالفعل على أرض المعركة. 

هرمز: الذكاء الاصطناعي في أعماق المضيق الأكثر خطورة

ولا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي العسكري على الجبهات البرية والجوية، بل امتد ليصل إلى أعماق البحار في واحدة من أكثر بؤر التوتر اشتعالا في العالم. بعد أسابيع من الحرب التي اندلعت إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وجدت البحرية الأمريكية نفسها أمام تحديات بالغة الخطورة: ألغام بحرية إيرانية تحتجز مضيق هرمز الذي كان يمر عبره 20% من نفط وغاز العالم.

وجاء الحل من سان فرانسيسكو لا من قواعد بحرية تقليدية. منحت البحرية الأمريكية عقدًا بقيمة 99.7 مليون دولار لشركة "دومينو داتا لاب" للذكاء الاصطناعي، لتطوير برنامج يعلم الغواصات المسيرة تحديد أنواع جديدة من الألغام في أيام بدلا من أشهر. وكما أوضح مسؤول العمليات في الشركة لوكالة رويترز: "كانت مهمة رصد وإزالة الألغام من اختصاص السفن في السابق، أما الآن فقد أصبحت من اختصاص الذكاء الاصطناعي". 

وأضاف أنه إذا كانت ثمة مركبات مسيّرة تحت الماء مدرّبة على رصد الألغام الروسية في بحر البلطيق، فإن تقنية "دومينو" تجعلها جاهزة للنشر في هرمز لرصد الألغام الإيرانية خلال أسبوع بدلا من عام كامل، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

في الوقت ذاته، تدار معركة المعلومات البحرية من قبو محصن في مدينة بريست الفرنسية، حيث يراقب 12 بحارا من مركز "ميكا" التابع للبحرية الفرنسية شاشات مليئة بالخرائط لرصد بؤر التوتر البحري، من هجمات ناقلات النفط في هرمز إلى القرصنة قبالة الصومال. ومنذ اندلاع الحرب، سجل المراقبون نحو 40 حادثة أمنية شملت 24 هجوما إيرانيا متعمدا على سفن تجارية. 

ويجمع النظام بيانات من صور الأقمار الاصطناعية ومراكز الشركاء حول العالم وأنظمة التعرف الآلي وتقارير البحارة، ليرسل في حال وقوع هجوم تنبيها فوريًا عبر رسائل مشفرة إلى السفن ضمن دائرة نصف قطرها 50 ميلا بحريًا. 

"لافندر" و"الإنجيل".. حين تقرر الخوارزمية من يموت

في غزة، كشفت الحرب عن وجه أشد إرعابا للذكاء الاصطناعي العسكري، طور جيش الاحتلال الإسرائيلي نظام "الإنجيل" الذي يراجع تلقائيا بيانات المراقبة بحثا عن المباني والمعدات والأفراد المشتبه في انتمائهم لحماس، ويوصي بأهداف للقصف يعرضها على محلل بشري ليتخذ القرار النهائي. وبينما يستطيع المحللون البشريون تحديد 50 هدفًا خلال عام كامل، أظهر النظام قدرة على توليد 100 هدف في يوم واحد.

غير أن الأشد إثارة للجدل هو نظام "لافندر". وفقًا لتحقيق مجلة +972 الإسرائيلية استنادا إلى شهادات ستة ضباط استخبارات، رصد النظام ما يصل إلى 37،000 فلسطيني وصنفهم أهدافًا محتملة للاغتيال، مع تخصيص 20 ثانية فقط لمراجعة كل هدف من قبل محلل بشري، كان دوره في الغالب مجرد التحقق من أن الاسم يخص رجلا وليس امرأة أو طفلا.

ويجمع النظام بيانات متعددة المصادر تشمل تغذية الكاميرات ورسائل المحادثة المعترضة وبيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتحليل شبكات التواصل الاجتماعي، لتقييم احتمال كون الشخص مقاتلا في صفوف حركة حماس أو جماعات أخرى، قد دفع ذلك الأمين العام للأمم المتحدة إلى إعلان قلقه البالغ، محذرا من أن هذه الممارسات تعرض المدنيين للخطر وتصيب منظومة المساءلة بكثير من الضبابية وانعدام اليقين.

الحرب الإلكترونية: حين تسقط البنية التحتية بضغطة زر

على الجبهة الرقمية، تشهد الحروب الدائرة أشكالا من الهجوم السيبراني لم يسبق لها نظير. في عام 2025، قفزت هجمات حجب الخدمة الموزعة بنسبة 121%، لتبلغ 47.1 مليون هجوم، بمعدل 5،376 هجومًا يصد كل ساعة، فيما سجل ديسمبر 2025 هجومًا بلغت ذروته 31.4 تيرابت في الثانية، وهو رقم قادر على إصابة بنية تحتية وطنية بأكملها بالشلل التام.

وتكشف مجلة سيكيورتي ويك عن سيناريو أكثر رعبا: يتوقع الخبراء أن يقع خلال منتصف 2026 اختراق أمني كبير لمؤسسة عالمية على يد نظام ذكاء اصطناعي عامل ذاتيا بالكامل، يستخدم التعلم المعزز والتنسيق متعدد العوامل لتخطيط دورة هجوم متكاملة تشمل الاستطلاع وتوليد الحمولات الخبيثة والحركة الجانبية وسرقة البيانات، دون أن تلمس يد بشرية لوحة مفاتيح واحدة.

أسلحة التضليل: الإنترنت ميدان الحرب النفسية

لا تقتصر الحرب الرقمية على الهجمات التقنية، بل امتدت لتشمل أسلحة أكثر خبثا: التضليل والتزوير العميق. باتت هجمات التصيد الاحتيالي المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على محاكاة أسلوب كتابة المديرين والزملاء، وتوليد رسائل مثالية في أي لغة، وتخصيصها باستخدام بيانات وسائل التواصل الاجتماعي. كما أصبح باستطاعة المهاجمين استنساخ أصوات ووجوه المسؤولين باستخدام عينات صوتية ضئيلة لتنفيذ عمليات احتيال بالغة الخطورة.

وعلى صعيد أوسع، تشير التقارير إلى أن عام 2026 شهد موجة من الهجمات الإلكترونية الموجهة ضد أنظمة المدن الذكية والبنية التحتية الحكومية، فضلًا عن حملات تضليل منظمة تستهدف الانتخابات والثقة العامة في المؤسسات. 

مفهوم الدفاع في مواجهة طوفان الخوارزميات

في مواجهة هذا الواقع المتصاعد، تطور الدول أنظمة دفاعية تعتمد الذكاء الاصطناعي ذاته سلاحا لصد الذكاء الاصطناعي. وباتت أنظمة الأمن السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات، ورصد الأنماط المنتظمة والشذوذ عنها، والتعرف على أنماط الهجوم الجديدة، وأتمتة الاستجابة بطرق تفوق قدرات الفرق البشرية، وتقلص زمن اكتشاف الاختراقات الأمنية من أيام إلى ثوان بفضل هذه المنظومات.

ولعل النموذج الأبلغ على الدفاع الذكي يتجلى في مركز "ميكا" الفرنسي الذي بات يضم نحو 85 شركة وملاك سفن بينها عمالقة الشحن العالمي مثل "ميرسك" و"CMA CGM"، يستعيض بالبيانات والأقمار الاصطناعية والمراقبة اللحظية عن أساطيل عسكرية بأكملها. إنه نموذج "الدفاع بالمعلومة" في أقوى تجلياته. غير أن المعادلة تظل مختلة: المهاجم لا يحتاج إلى النجاح إلا مرة واحدة، بينما يجب على المدافع أن ينجح في كل مرة.

الاعتبارات الأخلاقية والقانون الدولي

أمام هذا التحول الجذري، تبرز أسئلة وجودية حول الأخلاق والقانون الدولي. أعلنت الأمم المتحدة عقد اجتماع في يونيو 2026 لدراسة تداعيات الذكاء الاصطناعي على السلام والأمن الدوليين، فيما تدعو مجموعة من 30 دولة إلى تنظيم صارم لأنظمة الأسلحة الذاتية، مستندة إلى أن الذكاء الاصطناعي والاستقلالية في أنظمة الأسلحة يطرحان تحديات جسيمة من منظور إنساني وقانوني وأمني وأخلاقي. 

وفي يناير 2026، بث جيش التحرير الشعبي الصيني مشاهد لعملية سرب مسيرات يتولى تشغيلها جندي واحد يتحكم في 200 طائرة مسيرة مستقلة، مما أثار قلقا بالغا في وزارة الدفاع الأمريكية التي تشعر بعجزها عن مجاراة سرعة وحجم التصنيع الصيني للأسلحة المستقلة.