الإثنين 27 أبريل 2026 الموافق 10 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بعد 250 عاما على الاستقلال.. معضلات تاريخية وآنية أمام زيارة الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة

الرئيس نيوز

بعد مرور 250 عامًا على إعلان الولايات المتحدة استقلالها عن التاج البريطاني، تتجه الأنظار إلى زيارة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، وهي زيارة تتجاوز في أبعادها الطابع الاحتفالي والبروتوكولي، لتتحول إلى محطة سياسية دقيقة تختبر متانة ما يعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن. 

وبينما تبدو الزيارة في ظاهرها حدثا مهيبا يعكس عمق الروابط التاريخية، فإنها في جوهرها تكشف عن تباينات عميقة في الرؤى والمصالح، تجعل منها أكثر من مجرد مناسبة رمزية.

ومن المتوقع أن تهيمن الزيارة على المشهد الإخباري العالمي، مع سلسلة من الفعاليات الرسمية التي تمزج بين الاحتفاء والوقار، حيث يرفرف العلم البريطاني إلى جانب نظيره الأمريكي في مشهد يعكس قرونا من التاريخ المشترك، رغم ما شابه من صراعات. وإذا لم تطرأ مفاجآت في اللحظات الأخيرة، فإن برنامج الزيارة، الذي أعد بعناية، سيشكل جزءًا من إحياء الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، في مفارقة تاريخية لافتة.

ورغم أي تحفظات داخلية في المملكة المتحدة بشأن توقيت الزيارة أو جدواها، فمن المرجح أن تهمش هذه الأصوات أمام ثقل البروتوكول الملكي وزخم الحدث. كما يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تماما القيمة الإعلامية لهذه المناسبة، ما يرجح أن تتحول إلى استعراض بصري ضخم يمتد لأيام، لا يقل فخامة عن زيارته السابقة إلى بريطانيا، التي وصفت آنذاك بأنها غير مسبوقة.

غير أن السياق السياسي الحالي يختلف كثيرًا عن السابق. ففي مرحلة سابقة، بدت الحكومة البريطانية بقيادة كير ستارمر قادرة على إدارة العلاقة مع إدارة ترامب بقدر من المرونة، عبر مزيج من المجاملات السياسية والتنازلات التجارية، خاصة في ما يتعلق بالرسوم الجمركية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن التطورات الأخيرة، من تدخلات أميركية خارجية إلى تصاعد التوترات في مناطق عدة، أسهمت في خلق بيئة أكثر تعقيدًا، أعادت طرح تساؤلات حول جدوى هذه الزيارة.

وفي المقابل، يرى البعض أن المضي قدمًا في الزيارة قد يمثل فرصة لاحتواء التوتر، خصوصًا في ظل فتور العلاقة بين ترامب وستارمر. وقد أشار ترامب إلى أن زيارة الملك يمكن أن تسهم في إعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، وهو ما يعزز الرهان على الدور الرمزي للمؤسسة الملكية في تخفيف الاحتقان السياسي.

إلا أن هذا المسار يتطلب أيضًا قدرا من الانضباط السياسي داخل الحكومة البريطانية، خصوصًا من قبل الأصوات المنتقدة لترامب، لتفادي أي تناقض حاد بين المواقف الرسمية وخطاب الدولة خلال أيام الزيارة، التي تشمل عدة محطات داخل الولايات المتحدة.

ورغم الطابع المنظم للزيارة، تبقى احتمالات المفاجآت قائمة، خاصة في ظل أسلوب ترامب غير المتوقع. ومع ذلك، فإن إعجابه المعلن بالمؤسسة الملكية قد يقلل من احتمالات حدوث مواقف محرجة.

وبعيدا عن الحسابات الآنية، تثير الزيارة تساؤلات أعمق تتعلق بجذور العلاقة بين البلدين. فمن اللافت أن تحتفل بريطانيا، عبر زيارة رسمية، بذكرى استقلال الولايات المتحدة، وهو الحدث الذي شكل في حينه هزيمة سياسية وعسكرية للتاج البريطاني. ومع ذلك، يمكن تفسير هذه الخطوة بوصفها تعبيرًا عن تجاوز الماضي والتصالح معه، في إطار الحفاظ على سردية "العلاقة الخاصة".

لكن هذا المفهوم نفسه بات محل مراجعة. فالفوارق بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لا تقتصر على اللغة، بل تمتد إلى مفاهيم أساسية مثل الحرية والديمقراطية، ودور الدولة، والعلاقة بين الفرد والمؤسسات. كما تظهر هذه الاختلافات في ملفات مثل الخصوصية الرقمية، حيث تتبنى أوروبا، ومعها بريطانيا، مقاربات تختلف جذريا عن النهج الأميركي.

وساهمت سياسات ترامب، التي جمعت بين النزعة الانعزالية والتدخل الخارجي، في تعميق هذه الفجوة، إلى جانب مواقفه من القوانين الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف. ورغم أن هذه التباينات ليست جديدة، فإنها أصبحت أكثر وضوحًا وحدة في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، قد يتوقف نجاح الزيارة إلى حد كبير على البعد الشخصي، سواء من حيث حضور الملك تشارلز أو اهتمام ترامب بالرمزية الملكية. لكن ما بعد الزيارة قد يكون أكثر أهمية، إذ تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم صريح لطبيعة العلاقة بين البلدين، بعيدا عن الشعارات التقليدية، والاعتراف بحجم الاختلافات التي تشكل واقع هذه العلاقة.

وتعكس زيارة ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة لحظة مفصلية، ليس فقط في مسار العلاقات البريطانية الأمريكية، بل في فهم أعمق للتحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد الروابط التاريخية كافية لضمان التوافق، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعقد فيه المصالح عبر الأطلسي.