الثلاثاء 21 أبريل 2026 الموافق 04 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

لغز اليورانيوم الإيراني المخصب.. أوباما ترك علامات استفهام وترامب قرع طبول الحرب

الرئيس نيوز

في قلب الجدل النووي الممتد بين إيران والغرب، يبرز ملف بالغ الحساسية يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر النقاط غموضا في ترتيبات الاتفاق النووي لعام 2015، والمتعلق بمصير شحنة ضخمة من اليورانيوم المخصب تقدر بنحو 8.5 طن، أي ما يقارب 25 ألف رطل جرى نقلها ضمن إطار التفاهمات الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.ظ

ووفقًا لتحليل أجراه معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط، ميمري، مستندا إلى جلسات استماع في الكونجرس الأمريكي، أعيد تداولها في أوساط بحثية متخصصة، تتشكل صورة معقدة لمسار نقل هذه المواد من داخل إيران باتجاه روسيا، دون أن تتوافر لاحقًا آلية تحقق دولية مكتملة أو سجل رقابي يحدد بدقة موقع التخزين النهائي أو طبيعة المعالجة التي خضعت لها تلك الكمية.

وفي جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي عام 2016، جرى تناول ملف تتبع المواد النووية بعد مغادرتها الأراضي الإيرانية. 

وجود فجوة رقابية واضحة

وأظهرت المداولات الرسمية وجود فجوة رقابية واضحة، إذ تم الاعتراف بأن الولايات المتحدة لا تمتلك قدرة تفتيش ميداني مباشر على تلك الشحنات بعد انتقالها إلى السيطرة الروسية، وهو ما وضع العملية خارج نطاق التحقق المستقل التقليدي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأفضى هذا التحول عمليًا إلى نقل المواد النووية من إطار رقابي دولي متعدد الأطراف إلى نطاق سيادة دولة ثالثة، ما أدى إلى تراجع فعالية أدوات التفتيش المباشر، واعتماد آليات متابعة غير ميدانية قائمة على التفاهمات السياسية والتقارير غير الملزمة.

ويتمثل الملف الأكثر حساسية في غياب إعلان رسمي حول الموقع النهائي لهذه المواد داخل الأراضي الروسية، فقد جرى التعامل مع عملية النقل بوصفها جزءًا من التزامات الاتفاق، دون الإفصاح عن تفاصيل دقيقة تخص مواقع التخزين أو أنظمة الحماية أو طبيعة الاستخدام اللاحق، ما أدى إلى خلق مساحة واسعة من الغموض في تتبع الدورة الكاملة للمواد النووية المنقولة.

نقل مواد نووية منخفضة التخصيب

وفي السياق ذاته، ارتبطت العملية بسلسلة تبادلات متزامنة شملت نقل مواد نووية منخفضة التخصيب بين أطراف متعددة، ما أعطى الانطباع بأن الاتفاق لم يكن مجرد تفكيك تقني للبرنامج النووي الإيراني، بل إعادة توزيع منظمة للمخزونات النووية ضمن إطار توازنات سياسية واقتصادية أوسع بين القوى المنخرطة في الملف.

وتشير قراءات تحليلية إلى أن غياب آلية تحقق مستقلة وملزمة دوليًا في بعض مراحل التنفيذ أدى إلى نشوء منطقة رقابية رمادية، تتداخل فيها الاعتبارات الفنية مع الحسابات السياسية، ما أضعف القدرة على تتبع كامل دورة المواد النووية منذ خروجها من إيران وحتى وصولها إلى وجهتها النهائية.

كما كشفت النقاشات داخل الكونجرس الأمريكي في تلك الفترة وجود تحفظات متزايدة بشأن الاعتماد على ضمانات سياسية غير مدعومة بنظام تفتيش ميداني شامل، وهو ما اعتبر لاحقًا أحد أبرز نقاط الضعف في البنية التنفيذية للاتفاق النووي، خصوصًا فيما يتعلق بمواد ذات حساسية استراتيجية عالية.

ومع توسع نطاق الاتفاق وتعدد أطرافه، برزت تحديات إضافية مرتبطة بتباين مستويات الشفافية بين الدول المشاركة، إضافة إلى اختلاف أولوياتها الاستراتيجية، ما انعكس على درجة التنسيق في عمليات التحقق والمتابعة، وأدى إلى تفاوت في حجم المعلومات المتاحة حول حركة المواد النووية.

تعقيدات هيكلية في عملية الرقابة

وفي موازاة ذلك، أظهرت التجربة أن نقل المواد النووية بين أكثر من دولة، دون منظومة تفتيش موحدة ومستمرة، يخلق تعقيدات هيكلية في عملية الرقابة، ويجعل تتبع المخزون الفعلي مهمة تعتمد بدرجة كبيرة على التقارير الدورية بدلًا من الرصد المباشر المستقل.

ومع مرور الوقت، أصبح هذا الملف مثالا على التحديات التي تواجه الاتفاقات النووية متعددة الأطراف عندما تتقاطع فيها الاعتبارات التقنية الدقيقة مع التوازنات الجيوسياسية المعقدة، حيث لا يكفي الاتفاق السياسي لضمان السيطرة الكاملة على المواد الحساسة دون بنية رقابية تنفيذية صارمة.

ويعكس هذا المسار التحولي حدود النظام الرقابي الدولي في التعامل مع المواد النووية عالية الحساسية، خاصة عندما تنتقل من نطاق التفتيش المباشر إلى نطاق السيادة الوطنية لدول متعددة، ما يؤدي إلى إعادة توزيع السيطرة التقنية بشكل يحد من القدرة على التتبع الشامل.

وبذلك، يشكل ملف الـ25 ألف رطل نموذجًا لحالة رقابية غير مكتملة في تاريخ الاتفاقات النووية الحديثة، حيث تظل أجزاء من الدورة المادية للمواد خارج نطاق الرؤية المباشرة، ضمن منظومة تعتمد على التوازن بين الثقة السياسية والقدرة التقنية المحدودة على التحقق المستقل.