مصر في عين العاصفة.. تحسن لافت في إدارة الأزمات ومخاطر بانتظار الحسم
بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تجد مصر نفسها مجددًا في قلب اختبار اقتصادي شديد التعقيد، يعكس تداخل العوامل الجيوسياسية مع نقاط ضعف داخلية مزمنة.
ورغم أن القاهرة تبدو اليوم أكثر قدرة على إدارة الصدمات مقارنة بالماضي، فإن طبيعة التحديات لم تتغير جوهريًا، ما يطرح تساؤلات حول مدى استدامة التحسن الحالي، وفقًا لموقع سيمافور الأمريكي المتخصص في التحليلات الجيوسياسية والاقتصادية.
الصدمة الرابعة خلال 15 عامًا
منذ عام 2011، تعرض الاقتصاد المصري لثلاث صدمات كبرى استدعت تدخلات واسعة، مدعومة بحزم تمويلية واستثمارات خليجية ضخمة، وتأتي الحرب الحالية باعتبارها "الصدمة الرابعة"، لكنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية.
كانت مصر على وشك استكمال برنامجها مع صندوق النقد الدولي، بعد تحسن نسبي في مؤشرات الاقتصاد الكلي، شمل تراجع التضخم، وتحسن المالية العامة، وعودة قوية لتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية التي تجاوزت 30 مليار دولار في أدوات الدين المحلي. غير أن هذه الصورة الإيجابية سرعان ما اهتزت مع اندلاع الحرب.
فارتفاع أسعار الطاقة، وتوقف إمدادات الغاز الإسرائيلي، إلى جانب خروج مكثف للأموال الساخنة خلال مارس، أدى إلى ضغوط حادة على الجنيه، الذي أصبح من بين أسوأ العملات أداء عالميًا خلال تلك الفترة، وهنا يتضح كيف يمكن لعامل خارجي واحد أن يعيد الاقتصاد إلى حالة هشاشة سريعة.
قطيعة محسوبة مع أخطاء الماضي
ما يميز هذه الأزمة هو اختلاف رد الفعل الحكومي، ففي الأزمات السابقة لجأت السلطات إلى الدفاع عن العملة عبر استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، ما كان ينتهي عادة بأزمات أشد، تشمل نقصًا حادًا في الدولار وارتفاع التضخم.
هذه المرة، اتخذت الحكومة مسارًا مختلفًا؛ سمحت للجنيه بأن يكون خط الدفاع الأول لامتصاص الصدمة، بدل محاولة تثبيته بشكل مصطنع، وبالتوازي جرى خفض دعم الوقود، وهو قرار يحمل تكلفة سياسية، لكنه يعكس واقعية اقتصادية أكبر.
وقد حظي هذا النهج بإشادة المؤسسات الدولية والمستثمرين، إذ أشار محللون إلى أن خروج نحو ثلث الأموال الساخنة كان يمكن أن يكون أكثر حدة لولا هذا التغيير في السياسة. بمعنى آخر، لم تمنع الإجراءات الصدمة، لكنها حدّت من تفاقمها.
تعزز هذه القراءة مؤشرات إضافية، أبرزها الغياب شبه الكامل للسوق السوداء للدولار، واستمرار الثقة النسبية في الجهاز المصرفي.
كما تشير تقديرات مؤسسات مالية كبرى إلى أن الاحتياطيات الأجنبية لا تزال في مستويات آمنة نسبيًا، بعيدًا عن الانهيارات السابقة.
تحسن تكتيكي
رغم أهمية التحسن الحالي، فإنه يظل في جوهره تحسنًا في "إدارة الأزمة"، لا في "بنية الاقتصاد"، فالحرب كشفت مجددًا عن اختلالات هيكلية مزمنة تتجاوز قدرة السياسات النقدية والمالية التقليدية على معالجتها.
فعلى سبيل المثال، ورغم تعافي قطاع السياحة قبل اندلاع الحرب، إلا أن إيراداته الحقيقية لم تتجاوز بشكل حاسم مستويات ما قبل 2011، وهو أداء محدود لدولة تمتلك إمكانات سياحية ضخمة.
كما أن تقلبات سعر صرف العملة المتكررة خلال العقد الماضي لم تُترجم إلى طفرة تصديرية مستدامة، ما يعكس ضعف القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية.
كما يستمر العجز التجاري المزمن، المدفوع بارتفاع فاتورة استيراد الغذاء، إلى جانب تحول مصر من مصدر صافٍ للطاقة إلى مستورد، ما يزيد من حساسيتها تجاه تقلبات الأسعار العالمية.
صدمات خارجية تزيد التحديات
لا تقتصر التحديات على الداخل، بل تتفاقم بفعل عوامل خارجية صعبة التحكم فيها. فقد أدت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، خاصة منذ هجمات الحوثيين عام 2023، إلى تراجع إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.
كما ينعكس استمرار النزاعات الإقليمية سلبًا على تدفقات السياحة والاستثمار، ويزيد من حالة عدم اليقين.
وفي الوقت نفسه، تواجه مصر تحديات في بيئة الاستثمار، مع تكرار قضايا التحكيم الدولي التي رفعها مستثمرون أجانب، مما يشير إلى مشكلات عميقة في الإطار المؤسسي والتنظيمي.
هل تكسر مصر حلقة التكرار؟
السؤال الجوهري اليوم هو ما إذا كانت مصر قادرة على كسر نمط "الأزمات المتكررة"، والتجربة توضح أن الدولة نجحت إلى حد كبير في إتقان أدوات الإصلاح النقدي والمالي، لكنها لم تحقق بعد التحول الهيكلي المطلوب.
تشير تقديرات مسؤولين سابقين إلى أن العودة المتكررة إلى برامج دعم دولية ليست نتيجة فشل في إدارة السياسات قصيرة الأجل، بل بسبب غياب إصلاحات عميقة لزيادة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
يبقى العامل الحاسم هو مدة الحرب، فكلما طال أمد الصراع، زادت الضغوط على الاقتصاد المصري، سواء عبر أسعار الطاقة، أو تراجع التدفقات الدولارية، أو اضطراب سلاسل الإمداد.
في هذا السياق، يصبح احتمال اللجوء مجددًا إلى برامج دعم دولية قائمًا، ليس بالضرورة بسبب سوء الإدارة، بل نتيجة تراكم الضغوط الخارجية على اقتصاد لم يحصّن بعد بشكل كافٍ.
يمكن القول إن مصر نجحت هذه المرة في تغيير "طريقة اللعب"، لكنها لم تغير بعد "قواعد اللعبة"، فالإدارة أصبحت أكثر مرونة وواقعية، لكن الاقتصاد لا يزال عرضة للصدمات الخارجية بسبب ضعف القاعدة الإنتاجية واعتماده على مصادر دخل غير مستقرة.
بينما قد تتمكن السياسات الحالية من احتواء التداعيات قصيرة الأجل، يبقى التحدي الحقيقي في بناء نموذج اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة، قادر على امتصاص الصدمات وتقليل احتمال حدوثها، وحتى يتحقق ذلك، ستظل مصر، في كل أزمة جديدة، أقرب إلى "إدارة الخطر" منها إلى "تجاوزه".





