الأربعاء 18 مارس 2026 الموافق 29 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إيران ترفض خفض التصعيد بعد اغتيال لاريجاني: عندما يتغلب البارود على السياسة

الرئيس نيوز

في عالم السياسة الدولية، تفرض لحظات حاسمة كلمتها فتعيد رسم خريطة القرار وتكشف عن طبيعة الأنظمة في أعماقها. وترجح صحيفة نيويورك تايمز أن اغتيال علي لاريجاني، أحد أبرز وجوه البراجماتية الإيرانية وصوت الحوار المؤثر داخل النظام، لم يكن مجرد حادثة سياسية، بل كان بمثابة ضربة مباشرة لفكرة التفاوض في طهران.


وتؤكد التايمز أن لاريجاني كان يمثل تيارًا يؤمن بأن إيران يمكنها أن تحافظ على مشروعها الإقليمي وتتفاوض مع الغرب في الوقت ذاته، محافظة على صلابتها دون إغلاق كل الأبواب. لقد جسّد توازنًا دقيقًا بين التشدد في المبادئ والمرونة في التكتيك.


ولكن برحيله، لم تفقد إيران مجرد شخصية سياسية، بل صوتا داخليا كان قادرا على إقناع القيادة العليا بوجود خيارات أخرى. لذا فإن الفراغ الذي تركه لم يملأه معتدل جديد، بل سيطر التشدد الخالص، بلا أي ضغط مضاد أو توازن داخلي.
 

الحداد كأداة سياسة خارجية
تعكس ردود الفعل الإيرانية بعد الاغتيال ظاهرة معروفة في علم السياسة: الصدمة العنيفة تجعل المؤسسات تتقوقع وتتشدد بدل الانفتاح. وقد وجدت القيادة الإيرانية نفسها في موقف يصعب فيه تقديم أي تنازل دون أن يفسر ذلك على أنه ضعف أمام من قاموا بتصفية لاريجاني.
 

وترجح التايمز أن هذا التفسير النفسي والسياسي دفع إيران إلى رفض أي مسار دبلوماسي لخفض التصعيد. فالقبول بالتهدئة في هذه المرحلة من شأنه أن يقرأ داخليا وخارجيا على أنه استجابة للضغط، وهو ما يرفضه المتشددون رفضًا وجوديًا. لقد أصبح البقاء على خط المواجهة جزءًا من الشرعية الداخلية للنظام.
 

هشاشة البراجماتية أمام البارود
تكشف هذه التطورات هشاشة التيار البراجماتي في الأنظمة الأيديولوجية. فالمعتدلون دائمًا يعملون على حبل مشدود: يحتاجون لنتائج ملموسة لإثبات جدواهم، ويواجهون الاتهامات بالتواطؤ مع الأعداء. وعندما يستهدف أحدهم، يتردد الآخرون في حمل الراية خشية أن يصبحوا أهدافًا أيضًا.
 

وفي المقابل، فإن المتشدد لا يواجه هذه المعضلة؛ فخطابه يقوم على منطق المقاومة، ولا يحاسب على النتائج بنفس الطريقة. ويمكنه وصف الخسارة كبطولة، بينما المعتدل لا يملك هذا الترف.
 

تداعيات إقليمية وعالمية
يأتي رفض إيران خفض التصعيد في لحظة دقيقة للغاية. فالولايات المتحدة منقسمة داخليا حول جدوى المواجهة العسكرية، وإسرائيل تضغط في اتجاه التصعيد لكنها تعرف حدود قدرتها. المنطقة برمتها على شفا التحول من مواجهة مضبوطة إلى مواجهة مفتوحة.
 

لكن غياب القنوات البراجماتية الإيرانية يعني أن أي تفاهم غير رسمي أو رسائل خلفية قد توقفت، تاركًا ساحة التحركات الدبلوماسية شبه فارغة.
خاتمة: عندما يفوز البارود وتخسر السياسة
المنطق الاستراتيجي يقول إن اغتيال القادة المعتدلين غالبا ما يكون نصرا تكتيكيا وهزيمة استراتيجية في نفس الوقت. ويتجنب المتشدد الذي يحل مكان المعتدل منح الجانب الآخر خيطًا للتواصل، مما يؤدي عادةً إلى تصعيد لا يملك أحد مفاتيح إنهائه.


واختتمت الصحيفة الأمريكية تحليلها بالقول إن اغتيال لاريجاني قد يكون لحظة تاريخية ستذكر كنقطة انطلاق لانزلاق نحو تصعيد لم يرده أحد. أي أن إيران اليوم لا تختار التصعيد لأنها تريد ذلك، بل لأن من كانوا يملكون الجرأة على اختيار مسار آخر لم يعد لهم وجود.