الإثنين 16 مارس 2026 الموافق 27 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

صرخة في وادٍ.. دعوة ترامب لحماية مضيق هرمز لا تجد حلفاء

الرئيس نيوز

في خضم التوترات المتصاعدة في الخليج، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نداءً عبر منصة Truth Social دعا فيه عددًا من القوى الكبرى إلى إرسال سفن حربية لحماية مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره ما يقارب خمس صادرات النفط العالمية.

ووجّه ترامب دعوته بشكل مباشر إلى الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، إضافة إلى دول أخرى تعتمد على تدفق النفط عبر هذا المضيق الحيوي.

وفي مقابلة مع فايننشال تايمز، شدد ترامب على أن حلف شمال الأطلسي قد يواجه “مستقبلًا سيئًا للغاية” إذا لم يتحرك سريعًا لحماية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي. 

وأوضح أن أمن الطاقة العالمي أصبح على المحك، وأن أي تعطيل طويل للملاحة في المضيق قد يرفع أسعار النفط ويهز الأسواق الدولية.

ورغم حدة الرسالة الأمريكية، فإن النداء لم يجد صدى واضحًا لدى الدول المعنية، بل قوبل بمزيج من الصمت الدبلوماسي والرفض الضمني، ما عكس مدى تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.

رفض صريح وتردد محسوب

المواقف الدولية التي تلت الدعوة الأمريكية كشفت عن درجة كبيرة من الحذر، فقد أعلنت كوريا الجنوبية أنها ستواصل التشاور مع واشنطن وتدرس الوضع بعناية قبل اتخاذ أي قرار، وفق تصريحات وزير دفاعها. 

ويعكس هذا الموقف قلق سيول من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، خاصة أن كوريا الجنوبية تعتمد على واردات الطاقة من الشرق الأوسط وتفضل الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

أما اليابان، فقد أوضحت أن قيودها الدستورية والقانونية تجعل نشر قوات عسكرية خارج أراضيها مسألة شديدة الحساسية، فالدستور الياباني، الذي صيغ بعد الحرب العالمية الثانية، يضع قيودًا صارمة على استخدام القوة العسكرية في الخارج، ما يجعل الاستجابة لدعوة ترامب أمرًا معقدًا سياسيًا وقانونيًا.

في المقابل، دخلت المملكة المتحدة على خط الأزمة عبر اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء كير ستارمر وترامب، ناقشا خلاله ضرورة ضمان حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق أمام السفن التجارية. 

ومع ذلك، لم تعلن لندن عن التزام فوري بإرسال سفن حربية، بل أشارت تقارير إلى أنها تدرس خيارات أقل تصعيدًا، مثل استخدام الطائرات المسيّرة وتقنيات متقدمة للكشف عن الألغام البحرية وإزالتها.

دعوة عديمة الجدوى

أوضح تحليل لصحيفة كوريا تايمز أن دعوة ترامب تفتقر إلى الواقعية السياسية، ووصفتها بأنها “عديمة الجدوى”، وذكرت الصحيفة أن عسكرة المضيق قد تزيد من تعقيد الأزمة بدلًا من حلها، لأن جذور التوتر ترتبط أساسًا بالصراع السياسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران.

وأشارت الصحيفة إلى أن نشر مزيد من السفن الحربية في منطقة ضيقة ومزدحمة مثل مضيق هرمز قد يخلق مشكلات في التنسيق بين القوات المختلفة، كما قد يؤدي إلى تضارب في القيادة والسيطرة بين الأساطيل متعددة الجنسيات. 

ويرى محللون أن هذا السيناريو قد يرفع مخاطر الحوادث العسكرية غير المقصودة، وهو ما قد يشعل مواجهة أوسع في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيًا.

رد إيراني ساخر

من جانبها، لم تتأخر إيران في الرد على الدعوة الأمريكية، لكن ردها جاء بنبرة ساخرة، فقد نُقلت تصريحات عن الحرس الثوري الإيراني قوله: “دعه يرسل سفنه”، في إشارة إلى أن طهران لا ترى في الدعوة الأمريكية تهديدًا حقيقيًا.

وبدوره، صرّح وزير الخارجية الإيراني بأن المضيق مفتوح أمام جميع الدول، باستثناء الولايات المتحدة وحلفائها الذين يتبنون سياسات عدائية تجاه إيران. 

ويعكس هذا التصريح موقف طهران التقليدي الذي يرى أن أمن الخليج يجب أن يكون مسؤولية دول المنطقة، وليس القوى الخارجية.

ويرى مراقبون أن الرد الإيراني يحمل رسالة مزدوجة؛ فهو من جهة يقلل من أهمية الدعوة الأمريكية، ومن جهة أخرى يلمّح إلى أن أي تحالف عسكري تقوده واشنطن في المضيق قد يواجه تحديات كبيرة قبل أن يبدأ عمله فعليًا.

معضلة جوهرية

الجدل الدائر حول مضيق هرمز يعكس معضلة أوسع تتعلق بكيفية ضمان أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. 

فالمحللون يشيرون إلى أن الخيار العسكري المتمثل في مرافقة السفن التجارية بأساطيل حربية قد يكون مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر، خاصة أن إيران تمتلك خبرة طويلة في استخدام الجغرافيا لصالحها في الممرات الضيقة.

ويطرح خبراء عدة بدائل لتجنب التصعيد العسكري، من بينها تعزيز الجهود الدبلوماسية مع طهران لخفض التوترات، والعمل عبر قنوات دولية لإرساء آليات مشتركة لحماية الملاحة.

كما أن استخدام التكنولوجيا المتقدمة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة البحرية قد يساعد في رصد التهديدات وإزالة الألغام دون الحاجة إلى حشود عسكرية كبيرة.

كذلك يرى بعض الخبراء أن إشراك منظمات دولية معنية بالملاحة البحرية قد يمنح أي مبادرة لحماية المضيق شرعية أوسع، ويخفف من الطابع العسكري للأزمة.

في المحصلة، تحولت دعوة ترامب إلى ما يشبه صرخة في وادٍ؛ فالحلفاء الذين وُجهت إليهم الدعوة لم يظهروا حماسًا واضحًا للمشاركة في تحالف بحري جديد في الخليج. 

كوريا الجنوبية تتعامل بحذر، واليابان مقيدة بالقانون، والمملكة المتحدة تبحث عن حلول تقنية أقل تصعيدًا، أما إيران، فقد تعاملت مع الدعوة باستخفاف واضح.

وكشفت الأزمة في جوهرها عن انقسام دولي حول كيفية التعامل مع التوتر في مضيق هرمز: بين من يفضل إظهار القوة العسكرية لضمان حرية الملاحة، ومن يرى أن الحل الحقيقي يكمن في المسار الدبلوماسي وتخفيف حدة المواجهة السياسية. 

وفي ظل هذا الانقسام، يبقى المضيق واحدًا من أكثر النقاط حساسية في خريطة الطاقة العالمية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة والمصالح الاقتصادية الكبرى.