إدارة ترامب تهدد بسحب تراخيص البث من المحطات التلفزيونية بسبب تغطيتها للحرب على إيران
فتحت إدارة ترامب جبهة مواجهة الإعلام وتكميم الأفواه، فمع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، صعدت الإدارة هجومها على وسائل الإعلام مهددة بسحب تراخيص البث من المحطات التلفزيونية التي تنتقد تغطيتها للحرب، في خطوة أشعلت جدلًا واسعًا حول حرية الصحافة واستقلالية المؤسسات الإعلامية، ووصفها المدافعون عن حرية الصحافة بأنها "استبدادية وغير دستورية"، على حد تعبير صحيفة نيويورك تايمز.
التهديد الذي أشعل أمريكا
أصدر رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية بريندان كار تحذيرًا صارمًا لوسائل الإعلام، هدّد فيه بسحب التراخيص الحكومية من أي محطة بث يرى أنها تنشر "أخبارًا كاذبة"، وفقا لشبكة سي إن بي سي.
وأعلن كار عبر منصة "إكس" أن المحطات التي تبث ما وصفه بـ"الأخبار المزيفة والتشويهات" حول الحرب على إيران قد تواجه خطر فقدان تراخيصها إذا لم "تصحح مسارها" قبل موعد تجديد تراخيصها.
وكتب كار في منشوره: "المحطات التي تبث مزاعم كاذبة وتشويها للأخبار — المعروفة أيضًا بالأخبار الزائفة — لديها فرصة الآن لتصحيح مسارها قبل حلول موعد تجديد تراخيصها"، مضيفًا: "القانون واضح. يجب أن تعمل محطات البث في خدمة المصلحة العامة، وإلا ستخسر تراخيصها."
وجاءت هذه التصريحات في سياق أشمل من الهجمات الإعلامية التي يشنّها ترامب على الصحافة منذ بداية ولايته الثانية، حيث يصفها باستمرار بأنها "عدو الشعب".
الشرارة: طائرات التزود بالوقود وعنوان استفزازي
وربط كار تهديده بمنشور للرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال"، يشتكي فيه من عناوين تتحدث عن ضربة إيرانية طالت خمس طائرات تزويد وقود تابعة لسلاح الجو في السعودية. وصف ترامب العنوان بأنه "مضلل عمدًا"، مؤكدًا أن أربعًا من الطائرات الخمس "لم تتعرض لأضرار تذكر"، ووصف صحيفتي نيويورك تايمز وول ستريت جورنال بأنهما "تريدان للولايات المتحدة أن تخسر الحرب".
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ انتقد وزير الدفاع وسائل الإعلام بسبب إبرازها مقتل ستة جنود أمريكيين في ضربة بطائرة مسيّرة إيرانية في الكويت، واتهمها بمحاولة "إيقاع الرئيس في موقف سيئ". كما اعترضت الإدارة على بث شبكة سي إن ان أجزاء من خطاب المرشد الإيراني الجديد عبر التلفزيون الإيراني. وذهب البيت الأبيض أبعد من ذلك باتهام وسائل الإعلام الكبرى بتشويه الحقائق وتضليل الرأي العام بشأن العمليات العسكرية، مؤكدًا أن هذه التغطيات "تضر بالمصلحة الوطنية".
الأبعاد القانونية: سلطات مضخمة أم تهديد فارغ؟
سارع خبراء القانون إلى وضع هذه التهديدات في سياقها الحقيقي. لا تمتلك اللجنة صلاحية الترخيص المباشر للشبكات الوطنية الكبرى، وبالتالي لا تستطيع اتخاذ إجراءات تنفيذية ضدها مباشرةً. المحطات المحلية فقط — بما فيها تلك المملوكة للشبكات الكبرى — هي التي تحمل تراخيص اللجنة وتخضع قانونيًا لقواعدها.
وتجدر الإشارة إلى أن موقع لجنة الاتصالات الفيدرالية الرسمي ينص صراحة على أن "التعديل الأول للدستور وقانون الاتصالات يحظران صراحةً على اللجنة فرض رقابة على المواد المبثوثة". ويتوقع خبراء قانونيون أن أي محاولة فعلية لسحب التراخيص ستواجه دعاوى قضائية فورية قد تصل إلى المحكمة العليا، باعتبارها انتهاكا صريحا للتعديل الأول من الدستور الذي يحمي حرية الصحافة. وأكد محامٍ متخصص في القانون العام لشبكة سي إن إن أن تراخيص المحطات التلفزيونية لن تُطرح أصلًا للتجديد حتى أواخر عام 2028.
ردود الفعل: "استبداد" و"انتهاك دستوري"
فيما أشعلت التهديدات موجة عارمة من الغضب السياسي والحقوقي. وصف حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم التهديد بأنه "مخالف صريح للدستور"، فيما قال السيناتور برايان شاتز إن تصريح كار يمثل "توجيهًا صريحًا بتقديم تغطية إيجابية للحرب وإلا قد لا تجدد التراخيص".
وانضمت منظمات حقوقية دولية بارزة كـ"مراسلون بلا حدود" و"لجنة حماية الصحفيين" إلى هذا الجوقة الرافضة، محذرةً من أن هذه الخطوة تمثّل تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير وتفتح الباب أمام رقابة حكومية غير مسبوقة على الإعلام الأمريكي.
في المقابل، أصدر المدير القانوني لمنظمة "مؤسسة الحقوق الفردية والتعبير" بيانًا وصف فيه تحذير كار بأنه "فاضح"، قائلًا: "حين تطلب الحكومة من الصحافة أن تتحول إلى بوق رسمي تحت التهديد بالعقاب، فهذا يعني أن شيئًا خطيرًا جدًا قد حدث". وأضاف بسخرية لافتة أن كار نفسه كان قد صرّح عام 2019 بأنه "لا يجب على الحكومة مراقبة الخطاب الذي لا يعجبها"، غير أنه يستشهد اليوم بـ"المصلحة العامة" لتهديد وسائل الإعلام.
وقالت الرئيسة التنفيذية لرابطة الأخبار الرقمية للراديو والتلفزيون: "لنكن صريحين: ما يصفه كار هو سيطرة الحكومة على الصحافة"، أما على صعيد الكونجرس، فقد انقسم المشهد بحدة؛ إذ وصف عدد من النواب الديمقراطيين التهديدات بأنها "غير دستورية"، بينما دافع عدد من الجمهوريين عن موقف الإدارة باعتباره "حماية للأمن القومي".
سي إن إن في مواجهة مباشرة مع واشنطن
وتبقى شبكة سي إن إن في قلب هذا الصراع المحتدم. دفع رئيس الشبكة ومديرها التنفيذي بأن الشبكة "تقف خلف صحافتها"، مضيفًا أن "السياسيين لديهم دوافع واضحة للزعم بأن الصحافة التي تطرح أسئلة حول قراراتهم هي صحافة زائفة، وأن المصلحة الوحيدة لشبكتنا هي إيصال الحقيقة لجمهورها". وانضمت شبكتا NBC وCBS إلى الموقف ذاته، رافضتيم الاتهامات مؤكدتين أن تغطيتهما تستند إلى مصادر ميدانية وتحقيقات مستقلة.
خطر الرقابة الذاتية:
ما يقلق المدافعين عن حرية الصحافة ليس التهديد القانوني المباشر بقدر ما هو أثر الترهيب والرقابة الذاتية. تقول مجموعات مناصرة الإعلام إن كار يسعى إلى الضغط على شركات الإعلام لدفعها نحو الاستسلام والرقابة الذاتية، وهو ما سيحقق جزءًا مما يريده ترامب دون الحاجة إلى إجراء حكومي صريح. والدليل ماثل في التاريخ القريب: فبعد تصريح سابق لكار بشأن برنامج ساخر على شبكة ABC، سارعت كبرى مجموعات المحطات الإذاعية إلى سحب البرنامج من موجاتها.