مصر وتركيا تعززان تحالفهما من خلال صفقات ضخمة وتعاون مشترك في الصناعة العسكرية
في تحول لافت في موازين القوى في الشرق الأوسط، تشهد العلاقات بين جمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا تحوّلًا استراتيجيًا شاملًا يتجاوز الدبلوماسية التقليدية، ويتجه نحو شراكة دفاعية وصناعية متعمقة.
هذا التحول يأتي بعد سنوات من التوتر الطفيف بين القاهرة وأنقرة، ويشكل مثار اهتمام واسع في دوائر السياسة الدولية، خصوصًا في العواصم الغربية التي ترصد تطورًا في خارطة التحالفات الإقليمية، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
صفقات ضخمة وتعاون مشترك في الصناعة العسكرية
في وقت مبكر من فبراير الجاري، أعلنت أنقرة والقاهرة عن اتفاق دفاعي جديد بقيمة 350 مليون دولار، يتضمن صفقات أسلحة مباشرة وتوسيع التعاون في الإنتاج العسكري المشترك.
وقد شملت هذه الحزمة تصدير منظومة الدفاع الجوي التركية “TOLGA” إلى مصر، في صفقة تُقدر قيمتها بحوالي 130 مليون دولار، بالإضافة إلى اتفاق لإنشاء مصانع لذخائر المدفعية بعيدة ومتوسطة المدى داخل الأراضي المصرية، تعمل تحت إشراف شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية (MKE) بالتعاون مع وزارة الدفاع المصرية.
وتعكس هذه الاتفاقية خطوة نوعية في مسار تاريخي طويل من العلاقات بين البلدين، حيث تتحول مصر من مجرد مشتري للأسلحة الأجنبية إلى شريك صناعي قادر على المساهمة في سلسلة الإنتاج الدفاعي. وتشمل الخطط أيضًا إمكانية إنتاج الذخائر المحلّية بمواصفات عالية، ما قد يساهم في تقليل الاعتماد على الموردين التقليديين الغربيين.
قبل 2024، كانت العلاقات بين القاهرة وأنقرة مشوبة بتوترات سياسية، خاصة إثر الخلاف حول الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي وما تلاها من اتهامات بدعم جماعات متنازعة.
ومع ذلك، شهدت السنوات القليلة الماضية تحولًا جذريًا؛ إذ عكست زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير الماضي رغبة مشتركة لدى الطرفين في إعادة بناء الثقة وتوسيع أطر التعاون.
التصريحات الرسمية بعد الزيارة أكدت أن البلدين يعملان على رفع العلاقات إلى مستوى “شراكة استراتيجية”، تتضمن ليس فقط التعاون الأمني والعسكري، بل أيضًا التعاون في مجالات التجارة، الاستثمار، التقنية، والبحث العلمي.
كما أعلنت القاهرة وأنقرة عن نيتهما زيادة حجم التبادل التجاري من حوالي 9 مليارات دولار سنويًا إلى نحو 15 مليارًا بحلول عام 2029، وهو ما يعكس الطموحات الاقتصادية وراء هذا التقارب.
دوافع إقليمية وتوازنات متغيرة
يرجع المحللون الغربيون هذا التقارب إلى سياقات إقليمية أوسع، تتضمن إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد صراعات متعددة في المنطقة، منها النزاع الفلسطيني الإسرائيلي والأوضاع في سوريا وليبيا.
ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من جهود مصر وتركيا لإنشاء محور قوي قادر على مواجهة ما يعتبرانه توازنات دفاعية واقتصادية غير مستقرة في المنطقة.
كما أن التطور العسكري والإقليمي الذي شهده الشرق الأوسط منذ نهاية عام 2023، دفع كلا البلدين إلى تنويع شراكاتهما الدفاعية والتأكيد على قدرتهما على العمل المشترك في مواجهة التحديات الأمنية المتسارعة.
وهذا يشمل مخاوف مشتركة من النفوذ المتزايد لبعض القوى الإقليمية، ما جعل من التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة أحد صمامات الأمان ضد أي تغيرات مفاجئة في التوازنات.
مراقبون غربيون تحدثوا عن قلق محتمل لدى بعض القوى الدولية من توسع العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا، معتبرين أن هذا التقارب قد يؤثر على نفوذ القوى التقليدية في المنطقة، خصوصًا الولايات المتحدة التي كانت تلعب دورًا محوريًا في تموين وتعزيز الجيوش الإقليمية.
كما أن بعض التحليلات الغربية تشير إلى أن تعزيز قدرات التصنيع العسكري في مصر قد يخلق نموذجًا جديدًا في استراتيجيات التسلح العربي، وهو ما يُنظر إليه بعين الاهتمام من قبل الصناعات الدفاعية الأوروبية والأمريكية على حدّ سواء.
بينما يرى بعض الخبراء أن هذه الاتفاقات تمثل بداية لعهد جديد في العلاقات المصرية التركية، يرى آخرون أن هناك تحديات لا تزال قائمة، أبرزها ترسيم الأدوار في قضايا إقليمية جوهرية، وضرورة تطوير آليات حكم مشتركة لضمان استدامة هذه الشراكة بعيدًا عن التوترات التاريخية. لكن لا يمكن إنكار أن صفقات السلاح والشراكات الصناعية تمثل قلب التحالف الجديد بين البلدين.