الحريري يلمح إلى عودته السياسية مع استعداد لبنان للانتخابات
في مشهد أعاد إلى الأذهان زخم "الزعامة الحريرية" التي هيمنت على الساحة اللبنانية على مدار عقود، أطلق رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري إشارة الانطلاق لعودة تياره السياسي إلى معترك الحياة العامة. فمن وسط بيروت، وأمام حشود غصت بها ساحة الشهداء، أعلن الحريري أن "تيار المستقبل" سيخوض الانتخابات النيابية المقبلة، كاسرًا بذلك قرار الاعتكاف الذي فرضه على نفسه وعلى ماكينته السياسية قبل أربعة أعوام.
ووفقًا لصحيفة آراب ويكلي اللندنية، اختار الحريري ذكرى اغتيال والده، الرئيس رفيق الحريري، الحادية والعشرين، ليوجه رسائل سياسية حازمة لخصومه وحلفائه على حد سواء.
وفي خطاب عاطفي أمام مؤيديه الذين رفعوا رايات التيار الزرقاء، قال الحريري: "سيسمعون صوتنا، وسيحسبون أصواتنا"، في إشارة واضحة إلى انتهاء مرحلة "الغياب القسري" وبدء مرحلة استعادة التوازن داخل البرلمان اللبناني.
ورغم أن الحريري لم يحسم بشكل قاطع ما إذا كان سيترشح شخصيًا لمقعد نيابي، إلا أن ظهوره الجماهيري وما رافقه من تعبئة شعبية أكد أن حضوره كـ "صانع ملوك" وكزعيم للكتلة السنية الأكبر لا يزال عصيًا على التجاوز، رغم سنوات الابتعاد.
توقيت حرج ومسار انتخابي شائك
يأتي هذا الإعلان غداة تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الانتخابات ستُجرى في موعدها المقرر في 10 مايو المقبل. ويتمسك بري بهذا الموعد رغم الأصوات السياسية المنادية بالتأجيل، تذرعًا بالهواجس الأمنية في جنوب لبنان، الذي شهد غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت بنية حزب الله التحتية.
انحسار "الظل" وتغير المعادلات
كان الحريري قد علق نشاطه السياسي في عام 2022، معزيًا ذلك إلى اختلال التوازن الوطني وتعاظم النفوذ الإيراني المتمثل في سلاح حزب الله، وهو ما أدى حينها إلى تشتت الساحة السنية وبروز تمثيل برلماني "مفتت" أضعف المكون السني في معادلة المحاصصة الطائفية.
إلا أن المشهد اللبناني اليوم يمر بمتغيرات راديكالية تشمل إضعاف حزب الله، إذ تعرض الحزب لضربات قاسية خلال نزاع عام 2024 مع إسرائيل، مما أدى إلى تراجع دوره المهيمن في السياسة الداخلية، علاوة على زخم ضغوط نزع السلاح، فيواجه الحزب حاليًا ضغوطًا دولية، تقودها الولايات المتحدة، لتنفيذ بنود وقف إطلاق النار التي تتضمن تلميحات جدية لنزع السلاح وحصر السلطة بيد الدولة.
أما عن الفراغ السني، فقد أثبتت السنوات الأربع الماضية أن غياب "تيار المستقبل" ترك فجوة في التوازن الطائفي، وهو ما تسعى القوى الإقليمية والدولية لسده عبر تشجيع الحريري على العودة لضمان استقرار النظام السياسي.
تحديات العودة: استعادة الثقة وترميم البيت الداخلي
تواجه عودة الحريري تحديات سياسية كبرى؛ فتيار المستقبل يحتاج إلى إعادة بناء ماكينته الانتخابية التي تعطلت، وإقناع القواعد الشعبية بأن العودة هذه المرة تحمل مشروعًا إنقاذيًا حقيقيًا، وليست مجرد مشاركة في سلطة تعاني من انسداد الأفق.
كما يترقب الخبراء والمراقبون طبيعة التحالفات التي سيبرمها الحريري، خاصة في ظل البرود الذي شاب علاقاته ببعض حلفائه السابقين في "قوى 14 آذار"، ومدى قدرته على تقديم خطاب يتلاءم مع لبنان "ما بعد صراع 2024"، وتمثل عودة سعد الحريري إلى السباق الانتخابي محاولة لترميم "الاعتدال السني" وإعادة رسم الخارطة السياسية اللبنانية في لحظة إقليمية فارقة. فهل ينجح الحريري في تحويل "تسونامي" الحشود في ساحة الشهداء إلى مقاعد برلمانية تعيد له مفاتيح القرار في "سرايا" بيروت؟