الإثنين 16 فبراير 2026 الموافق 28 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إيران تسعى إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة يحقق مكاسب اقتصادية متبادلة

الرئيس نيوز

سلطت صحيفة الجارديان البريطانية الضوء على تحول لافت في الخطاب الرسمي الإيراني في ضوء تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، حميد قنبري، إذ أكد سعي طهران إلى اتفاق مع واشنطن يحقق مكاسب متبادلة، مشددا على أن أي تفاهم لن يكون مستداما ما لم تستفد منه واشنطن أيضا، فيما يعكس هذا الطرح تحولا في الخطاب الإيراني، إذ يربط صراحة بين الملف النووي والمصالح الاقتصادية المشتركة، بما يوحي باستعداد لإعادة صياغة معادلة التفاوض على أساس الربح المتبادل لا الاكتفاء بمطلب رفع العقوبات.

وبين مطرقة الضغوط العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المتصاعدة، وسندان الانهيار الاقتصادي الداخلي، تجد القيادة الإيرانية نفسها مضطرة لتغيير خطابها، ففي تحول استراتيجي لافت يتجاوز أدبيات "المقاومة" التقليدية، بدأت طهران في ضخ دماء جديدة في عروق ماكينتها الدبلوماسية، متبنية لغة "البراجماتية النفعية" في محاولة لفك شفرة إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي لا تؤمن إلا بلغة الأرقام والصفقات.

ولم يكن تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، حميد قنبري، مجرد هفوة دبلوماسية أو زلة لسان، بل كان "بالون اختبار" سياسيا مدروسا بعناية. 

تأكيد قنبري على سعي طهران لاتفاق يحقق "مكاسب متبادلة" يعكس إدراكا عميقا لدى الجناح الإصلاحي والتقني في الخارجية الإيرانية بأن عهد الاتفاقات القائمة على "الوعود الورقية" قد ولى.

وتعرض إيران اليوم صفقات ملموسة في قطاعات كانت حتى الأمس القريب "محرمات سيادية" أمام الاستثمار الغربي، وتحديدا في مجالات الطاقة، التعدين، والطيران. هذا الطرح يهدف إلى خلق "لوبي مصالح" داخل الولايات المتحدة، يرى في السوق الإيرانية فرصة استثمارية واعدة بدلا من كونها ساحة مواجهة عسكرية. 

الرسالة الإيرانية هنا واضحة: "لن يكون الاتفاق مستداما ما لم تكن الخزانة الأمريكية مستفيدة منه أيضا"، وهي محاولة ذكية لربط الاستقرار الجيوسياسي بشبكة مصالح اقتصادية عابرة للحدود.

جنيف والمناورة فوق الخطوط الحمراء

بينما يتوجه وزير الخارجية عباس عراقجي إلى جنيف للقاء مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، تتكشف ملامح "المقايضة الكبرى". 

التصريحات المتلاحقة من مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية، حول الاستعداد للنظر في تقديم "تنازلات جوهرية" بشأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب (الذي تجاوز عتبة الـ 60%)، تشير إلى أن طهران مستعدة للتراجع خطوات إلى الوراء مقابل "التنفس الاقتصادي".

ومع ذلك، يظل لغز الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، والغموض الذي يلف المنشآت النووية بعد الضربات الإسرائيلية-الأمريكية المحدودة في يونيو 2025، حجر عثرة أمام بناء الثقة.

طهران ترفض حتى الآن مبدأ "التخصيب الصفري" الذي يطالب به صقور الإدارة الأمريكية، وتعتبر التخصيب السلمي حقا سياديا، مما يضع مفاوضات جنيف المرتقبة أمام اختبار "السهل الممتنع".

"الضغوط القصوى 2.0"

لا يمكن قراءة الليونة الإيرانية بمعزل عن الحشد العسكري غير المسبوق في مياه الخليج والبحر المتوسط. تعزيز الوجود البحري الأمريكي والاستعداد لسيناريوهات عمليات واسعة النطاق يرسل رسالة "ردع خشنة" للداخل الإيراني. 

هذا الضغط العسكري يتكامل مع "حرب استنزاف اقتصادية" تستهدف تجفيف منابع العملة الصعبة عبر التضييق على صادرات النفط المتجهة للصين، والتي تشكل الرئة الوحيدة للاقتصاد الإيراني.

تدرك طهران أن أي تراجع إضافي في مبيعات النفط سيعني انفجارا اجتماعيا داخليا قد يفوق في حدته احتجاجات الشهر الماضي الدامية. لذا، يبدو التحرك الدبلوماسي الحالي بمثابة "طوق نجاة" لمحاولة امتصاص الصدمات المتلاحقة وتجنب سيناريو المواجهة الشاملة الذي قد ينهي شرعية النظام من الداخل.

في المقابل، يبرز موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كحائط صد أمام أي اتفاق "جزئي". مطالبة نتنياهو بتفكيك البنية التحتية النووية بالكامل، وليس مجرد وقف التخصيب، تعكس رغبة إسرائيلية في إنهاء التهديد الإيراني جذريا. 

هذا الموقف يتقاطع مع طموحات المعارضة الإيرانية في الخارج، التي تقودها شخصيات مثل رضا بهلوي، والتي بدأت تحظى بزخم دولي غير مسبوق تحت شعار "المرحلة الانتقالية".

لقاء ترامب الأخير بنتنياهو، وتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو حول تفضيل الدبلوماسية "مع إبقاء السيف مسلطا"، يضع طهران أمام خيار واحد: إما تقديم تنازلات تاريخية تمس صلب برنامجها الصاروخي والنووي، أو مواجهة تحالف دولي يسعى لتغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط برمته.

رقصة البقاء الأخيرة

تسير طهران اليوم فوق خيط رفيع مشدود بين رغبتها في الحفاظ على "مكتسباتها النووية" كأداة ردع، وحاجتها الماسة للأموال الأمريكية والغربية لإنقاذ اقتصادها المتهالك. إن استراتيجية "الشراكة بدلا من المساعدات" التي تروج لها طهران هي محاولة لتحويل العداء التاريخي إلى "منافسة اقتصادية مقننة".