شروط واشنطن لكف الهجوم على إيران واستئناف التفاوض
تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب جولة مفاوضات غير مباشرة هدفت إلى إطلاق مسار دبلوماسي يجنب المنطقة الخوض في مستنقع مواجهات مباشرة ونزاع عسكري شامل، لكن أجواء التوتر تظل سائِدة مع استمرار واشنطن في فرض شروط صارمة تهدف إلى إلزام طهران بتقديم تنازلات جوهرية قبل أن تتراجع واشنطن عن تهديداتها أو يجدد الطرفان الحوار بشكل مكثف، وفقًا لصحيفة الجارديان البريطانية.
وذكرت رويترز أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضعت ثلاثة شروط رئيسية لوقف التصعيد العسكري واستئناف المحادثات، تشمل وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل داخل إيران، وفرض قيود حقيقية على برنامجها للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها للمجموعات المسلحة الإقليمية التي تعتبرها الولايات المتحدة تهديدًا لأمنها وحلفائها، وعلى رأسها حماس وحزب الله والميليشيات القريبة من طهران.
وتظل تلك الشروط – بحسب مصادر دبلوماسية غربية مطلعة – حجر الزاوية في الجهود الأمريكية لتثبيت أي اتفاق طويل الأمد، إذ تعتبرها واشنطن غير قابلة للتفاوض في ظل استمرار البرنامج الصاروخي الإيراني وما يصاحبه من دعم لمليشيات تعمل ضد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
إلى جانب تلك الشروط، أظهرت التحركات الدبلوماسية الأوسع استمرار اللقاءات بين مسؤولين أمريكيين وإيران في عُمان بهدف منع انزلاق الوضع نحو حرب مفتوحة، إذ أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المحادثات في مسقط كانت "بداية جيدة" رغم الخلافات العميقة حول بنودها، مع موافقة الطرفين على مواصلة الحوار في المستقبل.
لكن التباين في وجهات النظر لا يقتصر على واشنطن وطهران، فقد عبّرت باريس – كما نقلت وكالة أسوشييتد برس – عن قلقها من اتساع النزاع، ودعت الجماعات المدعومة من إيران إلى التحلّي بأقصى درجات ضبط النفس في حال تصاعد التوتر، محذرة من تبعات أي توتر عسكري يشمل الجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن.
وبدورها، شددت فرنسا على أن أي جهود دبلوماسية يجب أن تراعي أيضًا حقوق الإنسان داخل إيران، فيما أشار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى أن طهران يجب أن تكفّ عن كونها "قوة مقلقة للاستقرار الإقليمي"، في تصعيد لافت في لهجة العواصم الأوروبية تجاه سلوك إيران وليس فقط برنامجها النووي، وفقًا لصحيفة لوموند.
من جانبها، قدمت الدبلوماسية الألمانية دعمًا لمنهجية متعددة الجوانب تشمل وقف برنامج التخصيب في إيران وعودة المفتشين الدوليين إلى المواقع النووية، وهي شروط تربط بين الجوانب التقنية والشفافية في تنفيذ الاتفاق، ما يعكس ضغطًا أوروبيًا مكثفًا لحماية الأمن الجماعي ومنع أي مواجهة عسكرية واسعة.
وعلى الصعيد الإيراني، كانت طهران قد أكدت – بحسب تقرير رويترز اليوم – أنها ترفض مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية كجزء من المفاوضات، معتبرة أنه "خط أحمر" لا يمكن التنازل عنه، وهو موقف يزيد من صعوبة التوافق مع شروط واشنطن التي تشترط ربط برنامج الصواريخ بأي اتفاق إقليمي مستقبلي.
وأشار موقع أكسيوس الأمريكي إلى أن التوترات الإقليمية والأمريكية ليست مجرد نزاع ثنائي بين واشنطن وطهران، بل تتشابك مع مصالح أمنية لمجموعة واسعة من الدول والمنظمات الإقليمية. ففي أحدث جولة من المحادثات، دعا أمير دولة قطر والرئيس الأمريكي إلى التهدئة والعمل على توسيع الحوار لضمان السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، ما يعكس رغبة دول الجوار في تفادي مواجهة شاملة.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الضغوط الأمريكية العسكرية المستمرة في الخليج، وربما تعزيز انتشار حاملات الطائرات والسفن الحربية، جزء من استراتيجية الضغط المتواصلة على إيران حتى وهي تجلس إلى طاولة المفاوضات، مما يعكس مزيجًا من القوة والدبلوماسية في نهج واشنطن.
ومن منظور أوسع، يرى محللون أن مفاوضات إدارة ترامب مع إيران تستمر في ظل عوامل معقدة تشمل الأزمة الاقتصادية التي تضغط على النظام الإيراني داخليًا، وتنافس عالمي بين قوى كبرى مثل روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، ما يجعل التوصل إلى اتفاق نهائي تحديًا يتطلب الكثير من التنازلات والتسويات، كما ترجح صحيفة الجارديان.
وقال موقع بوليتيكو يورب إن شروط واشنطن لكف الهجوم على إيران ليست شروطًا مرحلية فحسب، بل تمثل إطارًا شاملًا، من وجهة نظر إدارة ترامب، لتحقيق توازن أمني طويل الأجل في الشرق الأوسط، يشمل وقف التخصيب النووي، والحد من الطموحات الصاروخية الإيرانية، والتخلي عن دعم المليشيات الإقليمية، وهي متطلبات تعكس رؤية استراتيجية أمريكية أوروبية مشتركة لتجنب حرب قد تبدو قريبة لكنها محفوفة بالمخاطر.





