الثلاثاء 10 فبراير 2026 الموافق 22 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

من أسرار التكنولوجيا المصرية القديمة: مثقاب عمره 5300 عام مصنوع من سبيكة معدنية متقدمة

الرئيس نيوز

كشف بحث أثري حديث عن سر تقني مذهل ظل منسيا داخل خزائن المتاحف لما يقرب من قرن، بعدما أعاد علماء فحص أداة معدنية صغيرة تعود إلى مصر القديمة، ليتبين أنها أقدم مثقاب معدني دوار معروف حتى الآن، ويعود تاريخه إلى ما قبل عصر الفراعنة بقرون طويلة، ما يعيد رسم خريطة تطور التكنولوجيا والحرف في وادي النيل خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، وفقًا لموقع آركيونيوز الأمريكي المتخصص في شؤون الآثار والتاريخ القديم.

 تعود القطعة الأثرية إلى نحو خمسة آلاف وثلاثمئة عام، وقد عثر عليها داخل مقبرة تحمل الرقم 3932 في موقع بداري بصعيد مصر، وهو أحد أهم مواقع ما قبل الأسرات. ورغم أن طول الأداة لا يتجاوز ثلاثة وستين ملليمترا، ووزنها يقارب جراما ونصف الجرام فقط، فإنها تحمل دلالات علمية هائلة، بعدما أثبت التحليل الحديث أنها ليست مجرد مخرز بسيط كما كان يعتقد سابقا، بل مثقابا دوارا يعمل بنظام القوس، وهو نظام ميكانيكي متطور يسمح بتوليد حركة دائرية سريعة ودقيقة.

وكشفت الفحوص المجهرية الدقيقة وجود آثار تآكل وخطوط دقيقة وانحناءات طفيفة عند طرف الأداة، وهي علامات لا يمكن تفسيرها بالثقب اليدوي التقليدي أو الكشط البسيط، بل تشير بوضوح إلى استخدام حركة دورانية متكررة. كما عثر الباحثون على بقايا ست لفات من حبل جلدي بالغ الرقة لا تزال ملفوفة حول ساق المثقاب، وهو دليل نادر ومباشر على استخدام آلية القوس، حيث يلف الحبل حول الأداة ويحرك ذهابا وإيابا لتوليد دوران مستمر. 

ويمثل هذا الاكتشاف قفزة زمنية هائلة في فهم تطور أدوات الحفر، إذ كان يعتقد سابقا أن هذا النوع من المثاقب لم يظهر في مصر إلا خلال عصر الدولة الحديثة، أي بعد ذلك بأكثر من ألفي عام. غير أن تأريخ الأداة إلى مرحلة نقادة الثانية يؤكد أن المصريين القدماء كانوا قد أتقنوا تقنيات الحفر الدوراني عالي السرعة قبل وقت طويل من قيام الدولة المركزية وظهور الفراعنة. 

ولا تقل المادة المصنوع منها المثقاب أهمية عن آليته، فقد كشفت تحاليل التركيب المعدني باستخدام تقنيات الأشعة السينية المحمولة أن الأداة صنعت من سبيكة غير معتادة تضم النحاس مع الزرنيخ والنيكل، إضافة إلى نسب ملحوظة من الفضة والرصاص. ويشير هذا الخليط المعدني إلى معرفة متقدمة بخصائص السبائك، إذ يمنح هذا التركيب صلابة أعلى ولمعانا مميزا مقارنة بالنحاس الخالص، ما يطرح تساؤلات عميقة حول تطور علم السبائك وشبكات الحصول على الخامات في مصر القديمة.

ويرجح الباحثون أن هذا النوع من السبائك لم يكن نتيجة مصادفة، بل يعكس إما اختيارات واعية لتحسين أداء الأداة، أو ارتباط مصر المبكرة بشبكات تبادل خامات وخبرات معدنية تمتد إلى مناطق أوسع في شرق البحر المتوسط، فضلا عن احتمال استغلال مصادر معدنية غير مدروسة بعد في الصحراء الشرقية.

وتكشف هذه الأداة الصغيرة جانبا خفيا من الحضارة المصرية المبكرة، بعيدًا عن المعابد الضخمة والتماثيل العملاقة، لتسلط الضوء على عالم الحرف اليومية التي شكّلت الأساس الحقيقي لازدهار العمارة والصناعة. فالمثقاب كان أداة محورية في أعمال النجارة وصناعة الخرز والأثاث، وهي أنشطة لا تترك آثارًا ضخمة، لكنها كانت عصب الحياة الاقتصادية والفنية في ذلك العصر.

ويؤكد الباحثون أن أهمية الاكتشاف لا تكمن فقط في الأداة نفسها، بل في بقائها محفوظة مع جزء عضوي نادر هو الحبل الجلدي، ما يتيح فهما مباشرا لكيفية الاستخدام، وهو أمر نادر للغاية في آثار تلك الفترة المبكرة. كما يعيد الاكتشاف الاعتبار لمجموعات المتاحف التي طال إهمالها، ويبرهن أن قطعا صغيرة مهملة قد تحمل مفاتيح لإعادة كتابة تاريخ التكنولوجيا الإنسانية.

وفي ضوء هذه النتائج، يتضح أن المجتمع المصري في مرحلة ما قبل الأسرات لم يكن بدائيا أو محدود القدرات، بل كان يمتلك معرفة تقنية متقدمة، وقدرة على الابتكار الميكانيكي، وفهما دقيقا للمواد وخصائصها، ما يمهد الطريق لفهم أعمق لكيفية تشكل واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ قبل زمن الفراعنة بقرون طويلة.