الخميس 05 فبراير 2026 الموافق 17 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

دمشق تنتصر لـ"بغداد" وتطوي صفحة الزرقاوي.. هل انتهى زمن الكراهية الطائفية العابرة للحدود؟

الرئيس نيوز

في خطوة غير مسبوقة على صعيد العلاقات العراقية–السورية، منعت الحكومة السورية عرض كتاب مرتبط بتنظيم القاعدة في معرض دمشق الدولي للكتاب بناءً على طلب من بغداد، في وقت يسعى فيه العراق إلى تحسين علاقاته مع دمشق بقيادة إسلاميين. الكتاب، الذي يحوي ملخصات خطب صوتية للزعيم العراقي لتنظيم القاعدة أبو مصعب الزرقاوي، الذي قتل عام 2006، اعتُبر من قبل السلطات العراقية مادة تحرض على الكراهية الطائفية وتشكل تهديدًا لاستقرار المنطقة، وفقا لموقع دويتشه فيله الألماني.


ويعد المعرض الدمشقي أول فعالية ثقافية من نوعها منذ الإطاحة ببشار الأسد وتسلم الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، السلطة. 

 

وأعلنت دار نقش للطباعة والنشر، ومقرها إدلب، عن طبعة جديدة من كتاب "هل أتاك حديث الرافضة"، إلا أنها حذفت منشوراتها لاحقًا بعد الضغوط العراقية. الزائرون أُخبِروا أن الكتاب، الذي نشر لأول مرة قبل حوالي عقدين، غير متوفر، مع التأكيد على أن مصطلح "الرافضة" يحمل إيحاءً مهينًا للشيعة.


ويأتي هذا التطور في وقت يحاول فيه العراق بناء جسور ثقة جديدة مع سوريا، بعد سنوات من التوترات والعداء الإقليمي. نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق ومرشح القوى الشيعية للعودة إلى المنصب، وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بـ"الأخ" في مقابلة مع قناة الشرقية، مؤكدًا أن بغداد تسعى إلى علاقات طيبة مع سوريا وشعبها، وأن المراحل السابقة من الصراع انتهت.

 

وشدد المالكي على ضرورة ضمان ألا تستخدم الأراضي السورية كممر للإرهابيين ضد العراق، مشيرًا إلى الدعم العراقي المستمر لدمشق بالقمح والنفط، في إطار مساعي لتوطيد التعاون الأمني والاقتصادي.


في المقابل، يعكس موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعقيدات المشهد الإقليمي، إذ تربطه علاقات جيدة بالشرع ويعارض عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، ما يضيف بعدًا دوليًا للأزمة ويجعل العلاقة بين بغداد وواشنطن محور متابعة دقيقة، خاصة في ظل التوازنات الاستراتيجية بين واشنطن وحلفائها الإقليميين في مواجهة تنظيمات إرهابية قديمة وحديثة.


وعلى الأرض، عززت السلطات العراقية مراقبة حدودها مع سوريا الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر، من خلال إقامة خندق طويل وجدار خرساني، وتثبيت أسلاك شائكة، ونشر نحو ألف كاميرا حرارية ليزرية، إضافة إلى الطائرات المسيرة لمراقبة الحركة على الشريط الحدودي، ونشر قوات الجيش والحشد الشعبي وقوات حرس الحدود وقوات احتياطية، بهدف التصدي لأي اختراق محتمل من الجانب السوري. 

 

تعكس هذه التحركات حجم القلق الأمني العراقي وضرورة حماية الاستقرار الداخلي في ضوء التحولات السياسية في دمشق.
 

ويشير المراقبون إلى أن منع عرض الكتاب له مدلولات رمزية وسياسية كبيرة، فهو يمثل محاولة عراقية للحد من أي تنامي للكراهية الطائفية واستغلال الإرث التاريخي للقاعدة في المنطقة. ويؤكد هذا الإجراء حرص بغداد على خلق مناخ سياسي مستقر، بعيدًا عن إثارة النزاعات الطائفية القديمة، وفي الوقت نفسه تعزيز مصداقيتها على الساحة الدولية، خصوصًا أمام واشنطن وحلفائها الذين يراقبون عن كثب كيفية إدارة العراق لملف الإرهاب والتطرف العابر للحدود.
 

يبدي أسلوب تعامل المالكي مع القضية مزيجا من الواقعية السياسية والمرونة الدبلوماسية، إذ يضع في اعتباره ضرورة الحفاظ على علاقات جيدة مع الرئيس السوري الانتقالي، مع تعزيز الأمن العراقي، وفي الوقت نفسه محاولة التوفيق بين الضغوط الداخلية والخارجية. كما يعكس هذا التوجه رغبة بغداد في إعادة بناء تحالفات إقليمية واستراتيجية جديدة، تتجاوز الصراعات السابقة وتضمن أمن العراق واستقراره الاقتصادي والسياسي.
 

وبعبارة موجزة، فإن منع عرض كتاب الزرقاوي في دمشق يمثل إشارة قوية على بداية مرحلة جديدة من التفاهم بين العراق وسوريا، على أساس المصالح المشتركة وتجاوز إرث العنف الطائفي، مع تعزيز الجهود الأمنية لمنع أي تهديد قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي. 

 

ويأتي هذا في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم للحدود السياسية والأمنية، بما يفرض تحديات جديدة على جميع الأطراف، ويبرز دور المالكي والشرع كأقطاب أساسية في هذه المرحلة الحرجة من إعادة ضبط العلاقات بين بغداد ودمشق.