فخ إبستين.. وثائق وزارة العدل تكشف شبكة نفوذ تمتد من واشنطن إلى الكرملين والشرق الأوسط
كشفت الوثائق الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية حتى فبراير 2026 عن شبكة واسعة ومعقدة لإبستين تمتد من الولايات المتحدة إلى أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا وأفريقيا. ويبدو أن البيانات توضح أن الشبكة لم تقتصر على الجرائم الجنسية فحسب، بل تداخلت مع السياسة، والمال، والأوساط الأكاديمية، والعلاقات الدولية، ما يجعلها واحدة من أكبر الشبكات المثيرة للجدل عالميا.
الولايات المتحدة: قلب الشبكة وموطن الجرائم الموثقة
تبقى الولايات المتحدة محور الشبكة، حيث وقعت معظم الجرائم الموثقة في نيويورك، بالم بيتش في فلوريدا، ونيو مكسيكو. كما كشفت بيانات تسربات الهواتف المحمولة من شركة نير إنتلجنس Near Intelligence زيارات إبستين لعدد 26 ولاية أمريكية، مع تركيز واضح على فلوريدا، وماساتشوستس، وتكساس، وميشيجان، ونيويورك.
تجدر الإشارة إلى أن الضحايا الأساسيات كن أمريكيات، لكن الشبكة امتدت لاستقطاب نماذج من أوروبا الشرقية وروسيا، مع روابط مالية واسعة في وول ستريت وهارفارد ومعهد متشيجان للتكنولوجيا. وتكشف الوثائق عن استخدام إبستين للمال والصلات الأكاديمية والاجتماعية لتقوية نفوذه، مع استغلال الجزيرة ومنازله الخاصة لاستقبال الشخصيات البارزة والفتيات الشابات والقاصرات.
أوروبا الغربية: النخب السياسية والملكية تحت المجهر
وبرزت بريطانيا بقوة في الملفات؛ الأمير أندرو، الذي فقد لقبه الملكي، يتصدر الاتهامات المباشرة، مع تسوية مالية ضخمة مع إحدى الضحايا وتدعى فرجينيا جيوفري. وكانت البريطانية جيسلين ماكسويل، الشريكة الرئيسية لإبستين، وكان مسرح تلك الممارسات منازل في لندن وباريس لاستضافة الشابات والشخصيات.
وفي النرويج، تبادل ثوربيورن ياجلاند، رئيس الوزراء السابق ورئيس لجنة نوبل للسلام، إيميلات مع إبستين عام 2018 لترتيب لقاء مع بوتين أو لافروف، مقترحا تقديم "رؤى" وتعليقات مهمة حول شخصية دونالد ترامب. أما الأميرة النرويجية ميتي-ماريت، فقد تبادلت أكثر من 100 إيميل ودي، بما في ذلك إقامة في عقارات يمتلكها جيفري إبستين.
كذلك تيري رود-لارسن، رئيس معهد السلام الدولي سابقا، ظهر في الوثائق بروابط مالية أدت إلى استقالته. هذه الحالات أثارت جدلا داخليا حول "سوء الحكم" لدى النخبة الأوروبية.
روسيا: الحضور الأكبر والتكهنات الاستخباراتية
فيما سجلت روسيا حضورا واسعا، مع ذكر اسم الرئيس فلاديمير بوتين في أكثر من 1056 وثيقة. تكشف الملفات عن محاولات إبستين المتكررة للقاء بوتين بين 2011 و2018، سواء مباشرة أو عبر وسطاء مثل "إيجور" وجوي إيتو. تشمل الوثائق رحلات إبستين إلى خاباروفسك مع بيل كلينتون، دفع مبالغ مالية لنماذج روسيات، ودفعات مشبوهة عبر دويتشه بنك. انتشرت نظريات "فخ العسل" الروسي، مدعومة بعلاقة ماكسويل بوالدها روبرت ماكسويل الذي عمل للكي جي بي والموساد. رغم كثافة الإشارات، لم تثبت أي وثيقة رسمية تورط بوتين الجنسي، لكن الروابط تظهر طابعا سياسيا استخباراتيا، وفقا لصحيفة دايلي ميل البريطانية.
الشرق الأوسط: الإمارات والسعودية وإسرائيل في دائرة الضوء
وبرزت الإمارات والسعودية في الوثائق؛ وأشارت إلى اسم سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لموانئ دبي العالمية، في صور وإيميلات له دور في تقريب علاقات إسرائيل والإمارات قبيل اتفاقيات أبراهام برعاية ترامب.
ونسقت عزيزة الأحمدي شحنة "كسوة الكعبة" إلى منزل إبستين عام 2017، ما أثار غضبًا دينيًا واسعًا. تضمن ملف الوثائق أيضًا إشارات لمحمد بن زايد ومحمد بن سلمان، عبر مراسلات سياسية وهدايا فاخرة. إسرائيل بدورها، من خلال إيهود باراك، زارت الجزيرة واستثمرت مع إبستين، مع تكهنات موسادية. كما ورد ذكر مصر عبر أحمد أبو الغيط، ولبنان من خلال سعد الحريري، والكويت عبر محمد صباح السالم، والمغرب عبر الطيب الفاسي الفهري، واليمن عبر شاهر عبد الحق، في مراسلات تجارية وسياسية متنوعة.
آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية: حضور محدود لكنه ملموس
وشملت الوثائق رحلات إبستين إلى الصين، الهند، اليابان عبر جوي إيتو، وأستراليا عبر بيانات الهواتف. أفريقيا شهدت رحلات إلى السنغال ودول أخرى ضمن استثمارات تجارية. في أمريكا اللاتينية، رُصدت روابط سياسية يمينية محدودة، تظهر امتداد شبكة إبستين عالميًا رغم تركيزها الأساسي على الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا.
إبستين والوصول إلى النخبة الأكاديمية
استغل إبستين الدعم المالي للعلماء في معهد ميتشجان للتكنولوجيا وهارفارد للوصول إلى النخبة الفكرية. وذكرت صحيفة ميامي هيرالد الأمريكية أن نعوم تشومسكي التقى إبستين عدة مرات بعد إدانته عام 2008، وتلقى دعما ماليا ساعده في "إعادة تأهيل" صورته.
أما عالم الفيزياء البريطاني، ستيفن هوكينج، فقد زار جزيرة إبستين في عام 2006 ضمن مؤتمر علمي، وقام برحلة في غواصة وحفلة، وأثارت ادعاءات غير مثبتة عن عبثه مع قاصرات استهجانا واسع النطاق عبر السوشيال ميديا.
يذكر أن مارفن مينسكي، رائد الذكاء الاصطناعي، قد تعرض لاتهامات من إحدى الضحايا بممارسة الجنس معها على الجزيرة، وكذلك عالم الكونيات الأمريكي الكندي لورانس كراوس الذي ناقش مع إبستين زيارة الجزيرة، أما رجال الدين، فلم يرد ذكرهم إلا بإشارات محدودة وغير مباشرة.
ووصفت صحيفة نيويورك تايمز ما فعله إبستين بأنه محاولة لبناء شبكة عالمية متعددة الأبعاد، وتكسف الوثائق أن تأثير إبستين عالمي ومتعدد الأبعاد، مع تركيز أكبر في الولايات المتحدة، بريطانيا، روسيا، والإمارات، والسعودية، وإسرائيل. تلك الشبكة لم تقتصر على الجرائم الجنسية، بل شملت رموز السياسة، والمال، والعمل الأكاديمي، والعلاقات الدولية.
ولا توجد قائمة رسمية للعاملين في الشبكة، ويبقى الإفراج عن المزيد من ملفات إبستين مستمرا مع استمرار الاعتماد على المصادر الرسمية. حتى الآن، تؤكد الوثائق شبكة نفوذ واسعة دون مساءلة كاملة.