4 مليارات شخص يواجهون ندرة المياه.. هل دخل العالم "عصر الإفلاس المائي"؟
حذر تقرير حديث للأمم المتحدة نقلته مجلة يورآسيا ريفيو من أن العالم قد دخل رسميًا مرحلة الإفلاس المائي العالمي، حيث تواجه البشرية نقصًا هيكليًا في الموارد المائية على نطاق كوكبي بسبب استنزاف المياه الجوفية، والإفراط في استهلاك المياه، وتدهور التربة والغابات، والتلوث، والتغير المناخي.
وأوضح التقرير أن العديد من المناطق تجاوزت قدرة نظمها المائية على التجدد، وأن معظم المجتمعات العالمية قد استهلكت أكثر من دخلها السنوي من المياه المتجددة، مستنزفة "مدخرات" طويلة الأمد في الأحواض الجوفية والأنهار والبحيرات والثلوج الدائمة، ما أدى إلى تراجع البحيرات والمستنقعات، انخفاض مستوى الأراضي، وفقدان التنوع البيولوجي بشكل دائم. التقرير يؤكد أن هذه الظاهرة لم تعد أزمة مائية مؤقتة أو ضغطًا على المياه، بل حالة عدم قدرة على التعافي من فقدان رأس المال المائي الطبيعي، ما يستدعي استراتيجيات عالمية جديدة لإدارة هذه الأزمة.
وتشير البيانات إلى أن نصف البحيرات الكبرى حول العالم فقدت جزءًا من مياهها منذ أوائل التسعينيات، بينما يعتمد نصف سكان العالم على المياه الجوفية كمصدر رئيسي للشرب والزراعة. فأكثر من 70% من الأحواض الجوفية الرئيسية تظهر انخفاضًا طويل الأمد، وما يزيد عن 410 مليون هكتار من الأراضي الرطبة الطبيعية قد اختفت في العقود الخمسة الماضية. كما فقدت الغالبيت العظمى من الأنهار القدرة على الوصول إلى البحر في أجزاء من السنة، وتعرضت المساحات الزراعية لزيادة ملوحة التربة، فيما يعيش حوالي 4 مليارات شخص في مناطق تواجه ندرة شديدة في المياه على الأقل لشهر واحد سنويا.
وتبرز المخاطر بشكل واضح في مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتقاطع الضغوط المائية، الهشاشة المناخية، إنتاجية الزراعة المنخفضة، التحلية المكثفة للطاقة، وعواصف الرمال والغبار ضمن بيئات سياسية واقتصادية معقدة.
وفي جنوب آسيا، أدت الزراعة المعتمدة على المياه الجوفية والتحضر السريع إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية بشكل مزمن، بينما أصبحت الأحواض الكبرى في غرب الولايات المتحدة رمزًا للإفراط في استهلاك المياه.
وحذر التقرير من أن الإفلاس المائي ليس مجرد مسألة بيئية، بل يشكل خطرا على الأمن الغذائي والاستقرار السياسي العالمي. يعتمد قطاع الزراعة على معظم المياه العذبة، وعندما تتعرض مصادر المياه للضغوط، تنتقل هذه الأزمة إلى الأسواق العالمية، مهددة إنتاج الغذاء واستقرار الأسعار. ويؤكد الخبراء أن إدارة الإفلاس المائي تتطلب تحولات جذرية في الزراعة، والصناعة، ونظم المدن، مع وضع أولويات واضحة لحماية النظم البيئية المتبقية وإعادة تصميم مؤسسات المياه لتتناسب مع الحدود الهيدرولوجية الجديدة.
كما يشدد التقرير على أن الفجوة المائية تؤثر بشكل غير متناسب على صغار المزارعين، والشعوب الأصلية، والنساء والشباب، والفقراء بالمناطق الحضرية في حين تحقق القوى الاقتصادية الكبرى فوائد من الإفراط في الاستهلاك.
وفي هذا السياق، حذر التقرير من أن الإفلاس المائي أصبح محركًا للضعف، النزوح، والنزاعات، ما يجعل من إدارتها العادلة أمرًا أساسيًا للحفاظ على السلام والاستقرار الاجتماعي العالمي.
وأخيرا، أوضح التقرير أن التعامل مع الإفلاس المائي يحتاج إلى شجاعة سياسية وصدق علمي، واستثمارات استراتيجية في الموارد المائية، وتعاون دولي منسق، مؤكدًا أن إدراك هذا الواقع ليس إعلانا عن اليأس، بل فرصة لإعادة بناء المؤسسات والنظم لتعيش ضمن الحدود المائية المستدامة وحماية المجتمعات والاقتصادات والبيئة للكوكب بأسره.