الإثنين 16 مارس 2026 الموافق 27 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
مقالات

عندما يُطرح سؤال الحلول

د.محمد فؤاد يكتب: استجابة لدعوة الرئيس.. نعم توجد حلول لأزمة الطاقة لا تمس جيب المواطن

الرئيس نيوز

في حفل إفطار الأسرة المصرية قال الرئيس عبد الفتاح السيسي: “اللي عنده حل ييجي وإحنا هنبقى سعداء جدًا إن إحنا نسمع منه”. 

وأعتقد أن هذه الجملة يجب أن تكون بداية نقاش اقتصادي جاد حول ملف الطاقة في مصر.. فشكرا سيادة الرئيس على المبادرة والطرح وفي هذه السطور ربما نضع تصورات قد تكون مفيدة للتعمق في المشكلة وطرح البدائل.

أنا أتحدث هنا من موقعين مختلفين: كمشارك في عمل استشاري اقتصادي لرئيس الحكومة، وكنائب منتخب مسؤول عن الرقابة البرلمانية وشرح السياسات الاقتصادية للرأي العام ولهذا يمكن تنزيه ما سأقوم بطرحه الآن عن كونه "هبدا". 

وفي الحالتين يصبح الواجب هو أن تُطرح الصورة كاملة، لا أن يختزل النقاش في فكرة أن لا أحد يقدم حلولًا.

كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟

ما نراه اليوم في ملف الطاقة لم يكن مفاجأة. الاقتصاد المصري أصبح أكثر حساسية لتحركات أسعار الطاقة العالمية نتيجة اتساع فجوة الطاقة محليًا وزيادة الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من الاحتياجات.

لهذا السبب تقدمتُ باستجواب برلماني شامل حول إدارة ملف الطاقة، تناول أسباب تراجع الإنتاج المحلي من الغاز والبترول، وتأخر الاستثمارات في الاستكشاف، والبيانات الاحتفالية عن إنجازات لا يساندها الواقع. أدى ذلك تدريجيًا إلى زيادة الانكشاف الطاقي للاقتصاد المصري.

هذا الاستجواب لم يكن رد فعل على أزمة طارئة، بل محاولة لطرح سؤال بسيط: كيف وصلنا إلى هنا؟ قبل أن ننغمس في الأزمة.

قرار زيادة أسعار البنزين والسولار بنحو ثلاثة جنيهات دفعة واحدة على معظم المنتجات جاء بشكل مسطح تقريبًا، دون تدرج حقيقي يعكس اختلاف أنماط الاستهلاك أو قدرة القطاعات المختلفة على تحمل التكلفة. فظهر وكأن أحدهم قام بضرب إجمالي الاستهلاك بصرف النظر عن التكلفة في رقم مقطوع ليعوض عجزا مستهدف!

النتيجة أن الصدمة انتقلت مباشرة إلى الاقتصاد كله. فزيادة أسعار الوقود لا تبقى داخل قطاع الطاقة فقط، بل تنتقل عبر النقل والتوزيع إلى كل سلعة وخدمة تقريبًا. ولهذا خلقت النماذج الاقتصادية لتحليل أثر الصدمة وتنقيح الخيارات. لكن للأسف أظنها غابت عن المشهد.

ومع انتقال هذه الصدمة إلى الاقتصاد ترتفع معدلات التضخم، ومع التضخم ترتفع أسعار الفائدة على أدوات الدين الحكومية، خصوصًا أذون الخزانة.

وهنا تظهر المفارقة: ما قد تحققه الدولة من وفر مباشر نتيجة زيادة أسعار الوقود قد تدفع جزءًا معتبرًا منه مرة أخرى عبر ارتفاع تكلفة خدمة الدين.

أي أن المواطن يتحمل العبء مرتين: مرة في سعر الوقود، ومرة أخرى عبر التضخم وارتفاع تكلفة التمويل في الاقتصاد التي ستقلل من قدرة الحكومة على الإنفاق عليه أو ستعظم العجز الكلي وكلاهما مر.

المفارقة: أرباح تصديرية مدعومة محليًا

في الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن تحمل زيادة واسعة في أسعار الوقود، تستمر بعض الصناعات في الحصول على مدخلات طاقة منخفضة السعر نسبيًا رغم تحقيقها أرباحًا كبيرة.

خذ مثال صناعة الأسمدة. هذه الصناعة تسعّر منتجاتها وفق الأسعار العالمية، وقد ارتفعت أسعار تصدير اليوريا مؤخرًا من نحو 485 دولارًا للطن إلى نحو 665 دولارًا للطن، أي بزيادة تقارب 37٪ خلال فترة قصيرة.

وفي الوقت نفسه تصدر هذه الصناعة معظم إنتاجها للخارج بينما تحصل على الغاز المحلي بأسعار منخفضة نسبيًا.

بمعنى آخر، بينما يتحمل المواطن زيادة مباشرة في أسعار الوقود، تستمر بعض الصناعات التصديرية في تحقيق هوامش ربح مرتفعة نتيجة حصولها على مدخلات طاقة محلية منخفضة السعر بالمقارنة بالتكلفة المدعومة وحتى بالمقارنة بتكلفة الغاز في دول أخرى.

الورقة التي حاولت أن تضع النقاش في مكانه الصحيح

في خضم الجدل الدائر حول قرار زيادة أسعار المحروقات، أصدر حزب العدل ورقة تحليلية بعنوان:
«أزمة الطاقة في مصر: كيف حذر حزب العدل مبكرًا من المسار الذي قاد إلى زيادة أسعار المحروقات؟»

الورقة حاولت أن تعيد النقاش إلى أساسه الاقتصادي، وأن تسأل سؤالًا بسيطًا: هل كانت هناك بدائل لتوزيع عبء صدمة الطاقة داخل الاقتصاد؟

الأرقام التي عرضتها الورقة تشير إلى أن إعادة تسعير الغاز للصناعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة، مع تعديل محدود لبقية الصناعات، كان يمكن أن يحقق عائدًا ماليًا يقارب 1.4 مليار دولار سنويًا في الحسابات الأساسية.

وهو رقم قريب جدًا من العائد المتوقع من زيادة أسعار الوقود على المواطنين، والذي يدور في حدود مليار ونصف دولار تقريبًا.

لكن الفارق بين الخيارين جوهري: رفع أسعار الوقود ينقل الصدمة فورًا إلى التضخم وتكاليف المعيشة في الاقتصاد كله. أما إعادة تسعير الطاقة لبعض الصناعات ذات الهوامش المرتفعة فتعيد توزيع العبء داخل الاقتصاد دون نقل الصدمة مباشرة إلى المواطن.

تحذيرات مبكرة لم تُؤخذ بجدية

كنت قد حذرت منذ ما يقرب من عامين من تراجع كفاءة إدارة ملف الطاقة وتزايد الانكشاف الطاقي للاقتصاد المصري، محذرًا من أن استمرار هذا المسار سيقود حتمًا إلى وضع تصبح فيه الدولة رهينة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. بل أن الأرقام الكاشفة التي صارح بها الرئيس في كلمته عن دعم الكهرباء توقعناها بدقة في تحليل تم نشره في صيف 2025.

وجاءت هذه التحذيرات في وقت كانت فيه الحكومة تعلن بصورة شبه يومية عن اكتشافات جديدة وزيادات مرتقبة في الإنتاج.

والحقيقة أن لو تحقق حتى نصف ما تم الإعلان عنه من اكتشافات وزيادات في الإنتاج، لما وصلنا اليوم إلى هذا المستوى من الانكشاف الذي يدفع ثمنه المواطن المصري.

الأزمة ليست في الحلول

لهذا فإن دعوة الرئيس للاستماع إلى الحلول يجب أن تُفهم باعتبارها فرصة لنقاش اقتصادي أعمق.

لأن الحلول موجودة بالفعل، وبعضها واضح بالأرقام.

لكن أي حل يبدأ أولًا من عرض الصورة كاملة. كيف وصلنا إلى الأزمة، وكيف يمكن توزيع عبء صدمة الطاقة داخل الاقتصاد بطريقة أكثر عدالة وكفاءة. وهنا كان صلب الاستجواب: هل كانت العروض مكتملة؟

ولهذا أكرر ما قلته منذ البداية: الأزمة التي نواجهها اليوم ليست أزمة حلول… بل أزمة مصارحة وإدارة مبكرة للمشكلة قبل أن تضيق الخيارات.