«نادي المليار دولار».. جدل حول وثيقة تزعم مطالبة ترامب الدول بأموال لعضوية مجلس السلام
قالت صحيفة الإندبندنت البريطانية إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل "مجلس السلام" الخاص بغزة هو إيذان ببدء "المرحلة الثانية" من خطته لإنهاء الحرب، وهي المرحلة التي تهدف إلى تحويل قطاع غزة من "ساحة صراع دائم" إلى "منطقة تسيير دولي" تحت إشراف مباشر من البيت الأبيض وشركائه الدوليين.
القيادة التنفيذية: "صقور" السياسة وعمالقة المال
لم يترك ترامب مجالا للشك في نيته السيطرة المباشرة على الملف، بعد أن نصب نفسه رئيسا للمجلس، محاطا بفريق يجمع بين "الولاء المطلق" والخبرة في "عقد الصفقات". وأعطى تعيين وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كعضوين مؤسسين المجلس صبغة سياسية دولية من العيار الثقيل.
ورغم الجدل الواسع الذي يحيط باسم بلير في الشرق الأوسط بسبب إرثه في حرب العراق عام 2003 والتاريخ الاستعماري لبريطانيا العظمى، إلا أن ترامب يراه "الرجل القادر على حشد الدعم الأوروبي"، وهو ما أكدته وثائق مسربة من أروقة الاتحاد الأوروبي تشير إلى رغبة بروكسل في حجز مقعد لها داخل هذا الكيان المؤثر.
أما "المجلس التنفيذي" المكون من سبعة أعضاء، فقد جاء بمثابة "غرفة عمليات" تجمع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص، ستيف ويتكوف، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا.
هذا المزيج يوضح أن "مجلس السلام" ليس مجرد هيئة سياسية، بل هو مؤسسة مالية استثمارية تهدف لإدارة ميزانية إعادة إعمار تتجاوز 52 مليار دولار، وتحويل الركام إلى مشاريع عمرانية تخضع لرقابة دولية صارمة.
صدام الحليفين: إسرائيل وتحفظاتها على "السيادة"
بينما كان ترامب يعلن عن نجاحاته التنظيمية، تفجرت أزمة غير متوقعة مع تل أبيب. فقد أعلن مكتب رئيس وزراء سلطات الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراضه الصريح على "اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية" المكلفة بإدارة غزة.
ويمثل هذا الاعتراض الإسرائيلي أول اختبار حقيقي لقدرة ترامب على كبح جماح حليفه الأقرب. ويرى نتنياهو في هذه اللجنة، التي يترأسها المهندس علي شعث وتضم 15 شخصية فلسطينية، تجاوزا للتنسيق الأمني مع إسرائيل ومحاولة لفرض سلطة فلسطينية "بثوب جديد" دون موافقة إسرائيلية مسبقة
وأوضحت الصحيفة البريطانية أن الخلاف ليس بروتوكوليا فحسب، بل هو خلاف على "السيادة الميدانية". فبينما يرى ترامب أن المرحلة الثانية تقتضي انسحابا تدريجيا لجيش الاحتلال الإسرائيلي ونشر "قوة استقرار دولية"، تصر تل أبيب على الاحتفاظ بحق التدريب العملياتي داخل القطاع ومنع أي كيان فلسطيني من امتلاك صلاحيات أمنية حقيقية.
التسريبات المالية: "نادي المليار دولار" والجدل المستمر
زاد تقرير نشرته وكالة "بلومبرج" من حدة الجدل حول المجلس، بعد الكشف عن مسودة ميثاق، يطالب ترامب بموجبه الدول بدفع مليار دولار لضمان عضوية دائمة وتجديد فترات البقاء في المجلس.
ورغم نفي البيت الأبيض لهذه الأرقام ووصفها بـ "المضللة"، إلا أن طبيعة تفكير ترامب القائمة على مبدأ "الدفع مقابل الحماية والقرار" تجعل هذه التسريبات ذات مصداقية لدى الكثير من المحللين.
من جانبه، أكد البيت الأبيض أن العضوية تمنح بناء على "الالتزام الراسخ"، لكنه لم يوضح الآليات المالية لتمويل القوات الدولية وعمليات الإغاثة التي يعتزم المجلس القيام بها.
الموقف العربي والإقليمي: بين "الدراسة" و"التشكيك"
إقليميا، تبدو المواقف متباينة؛ فمصر التي استضافت أول اجتماعات "لجنة التكنوقراط" في القاهرة، تدرس بجدية دعوة السيسي للانضمام للمجلس، لكنها تشترط وضوح الرؤية السياسية والالتزام بالخطة "المصرية العربية الإسلامية" التي تركز على الإغاثة والبنية التحتية.
أما تركيا، فقد تلقت دعوة للرئيس أردوغان، وبينما تم اختيار وزير خارجيتها هاكان فيدان للجنة التنفيذية، ولا يزال الموقف التركي الرسمي في طور التقييم.
في المقابل، وصفت حركة "الجهاد الإسلامي" المجلس بأنه "ولد بمواصفات إسرائيلية"، محذرة من أن الهدف النهائي هو تصفية المقاومة ونزع سلاح غزة بالكامل، وهو البند الذي شدد عليه ترامب مرارا وتكرارا كشرط أساسي للانتقال إلى "مرحلة الازدهار".
وميدانيا، يبدو الواقع في غزة أكثر تعقيدا من طاولات المفاوضات في واشنطن. فالقطاع الذي دمرت الحرب 85% من منازله يعيش سكانه ظروفا "غير إنسانية" بحسب تقارير الأمم المتحدة. الأولوية القصوى للجنة علي شعث هي "الإسكان والخدمات العامة"، لكن هذه المهمة تصطدم بعقبا جسام لعل أبرزها:
نزع السلاح: إصرار ترامب على تفكيك كافة الأنفاق وتسليم السلاح يواجه رفضا من الفصائل التي لا تزال تحتفظ بوجود عسكري رغم عامين من الحرب.
أزمة الرهائن: ترفض إسرائيل الانتقال الكامل للمرحلة الثانية قبل استعادة جثة الجندي "ران غفيلي"، وهو ما تعجز حماس عن تحقيقه حاليا بسبب الركام ونقص المعدات.
خروقات الهدنة: الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار، والتي أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص منذ أكتوبر الماضي، تهدد بانهيار "المرحلة الأولى" قبل أن تبدأ "المرحلة الثانية" فعليا.
الدور الأوروبي والبعثات الحدودية
يبرز الاتحاد الأوروبي كلاعب مالي وإداري محوري؛ فبوصفه أكبر الممولين للسلطة الفلسطينية، يسعى الاتحاد لتعزيز نفوذه داخل "مجلس السلام". تشير الوثائق إلى أن بروكسل مستعدة لتفعيل "بعثة المساعدة الحدودية في رفح" (EUBAM) لتكون طرفا ثالثا محايدا، وهو ما ينسجم مع رؤية ترامب لنشر قوى مراقبة دولية.
الاتحاد الأوروبي خصص 1.6 مليار يورو للفترة القادمة، لكنه يطالب "بمزيد من الوضوح" حول مصير الدولة الفلسطينية النهائي، وهو الملف الذي يتجنب ترامب الخوض في تفاصيله السياسية حاليا، مفضلا التركيز على "إدارة الأمر الواقع".
غزة.. "شركة مساهمة دولية"؟
يعكس مشروع "مجلس السلام" ملامح فلسفة ترامب في الحكم مرتكزة على تحويل الأزمات السياسية المستعصية إلى مشاريع إدارية واقتصادية تحت إشراف "مجلس إدارة" دولي قوي.
وبينما يرى مؤيدو الخطة أنها السبيل الوحيد لإخراج غزة من نفق الحرب المظلم، يخشى المعارضون أن يكون هذا المجلس مجرد "وصاية دولية" تشرعن السيطرة على القرار الفلسطيني وتجرد القطاع من هويته السياسية.
وبين مطرقة المطالب الإسرائيلية وسندان الرفض الفلسطيني، يقف "مجلس السلام" أمام رحلة محفوفة بالمخاطر. فنجاح الخطة لا يتوقف فقط على قوة الأسماء المعينة في واشنطن، بل على القدرة على إقناع الناس في غزة بأن "حكومة الخبراء" قادرة فعلا على توفير السقف والخبز والأمن في ظل نظام إقليمي جديد يعاد تشكيله وصياغة جميع فصوله بالكامل وفقًا لآليات غير تقليدية.
- احتلال
- الأعراف الدبلوماسية
- البنك الدولي
- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
- الفصائل
- المرحلة الثانية
- بلومبرج
- دونالد ترامب
- صحيفة الإندبندنت البريطانية
- مشروع
- نزع سلاح
- واشنطن
- مجلس السلام
- غرفة عمليات
- ستيف ويتكوف
- جاريد كوشنر
- ترامب
- الخروقات
- البيت الأبيض
- روبيو
- توني بلير
- حماس
- مصر
- نزع السلاح
- نزع سلاح غزة
- نتنياهو
- الجهاد الإسلامي
- أردوغان تركيا





