الأحد 18 يناير 2026 الموافق 29 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

أهوال حرب غزة.. ارتفاع حاد في حالات اضطراب ما بعد الصدمة والانتحار بين جنود الاحتلال

الرئيس نيوز

بينما لا تزال أصوات المدافع والغارات والقصف تسمع في أرجاء المنطقة، تواجه إسرائيل اليوم "بركانا" من نوع خاص يتمثل في الأزمات النفسية داخل صفوف جيش الاحتلال، بعد أكثر من عامين على انطلاق العمليات العسكرية الانتقامية في قطاع غزة. 

وتكشف التقارير الحديثة الصادرة عن وزارة الدفاع والمؤسسات المعنية بالخدمات الصحية عن قفزة دراماتيكية في معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) وحالات الانتحار بين الجنود، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون في غزة أهوالا نفسية وجسدية لا توصف جراء الصراع المستمر.

جبهات متعددة واستنزاف نفسي

وفقًا لصحيفة "آراب ويكلي" اللندنية، تأتي هذه الأزمة النفسية المتصاعدة في ظل انتشار عسكري واسع شمل مئات الآلاف من جنود النظام والاحتياط على جبهات متعددة؛ من القتال العنيف في غزة وجنوب لبنان إلى التوترات المتزايدة مع إيران. 

وبحسب الإحصاءات الرسمية، أسفرت الحرب عن استشهاد أكثر من 71،000 فلسطيني في غزة و4،400 في لبنان، بينما أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمقتل أكثر من 1،100 من عناصره منذ أحداث 7 أكتوبر. هذا الحجم من العنف المتبادل ترك بصمات غائرة على الصحة العقلية للمشاركين في العمليات العسكرية.

أرقام تنذر بكارثة قادمة

سجلت وزارة الدفاع الإسرائيلية زيادة بنسبة 40% في حالات اضطراب ما بعد الصدمة منذ سبتمبر 2023، مع توقعات صادمة بأن تصل هذه الزيادة إلى 180% بحلول عام 2028.

 ومن بين 22،300 فرد يتلقون العلاج من إصابات حربية، يعاني نحو 60% منهم من صدمات نفسية حادة. 

وفي السياق ذاته، وأكدت مؤسسة "مكابي" الصحية أن نحو 39% من العسكريين الخاضعين لرقابتها طلبوا دعما نفسيا، وأبدى 26% منهم مخاوف جدية من الإصابة بالاكتئاب.

أوضح رونين سيدي، الأخصائي النفسي الإكلينيكي ومدير أبحاث المحاربين القدامى، أن الجنود يواجهون نوعين من الصدمات: الأولى مرتبطة بالخوف الوجودي من الموت أثناء القتال، والثانية هي "الإصابة الأخلاقية" (Moral Injury). 

وتنتج هذه الأخيرة عن قرارات لحظية تتخذ تحت نيران المعركة وتؤدي إلى مقتل مدنيين أو أطفال.

ويقول سيدي: "إن العيش مع فكرة أنك قتلت أشخاصا أبرياء هو شعور بالغ القسوة، ولا يمكن إصلاحه، ما يترك الجندي في صراع دائم مع ضميره".

تجسد قصة "بول" (28 عاما)، وهو أب لثلاثة أطفال، هذا الواقع المرير؛ فقد اضطر لترك عمله كمدير مشاريع في شركة عالمية لأن أصوات "أزيز الرصاص" لا تزال تلاحقه حتى بعد عودته من جبهات غزة ولبنان وسوريا. 

ويقول بول الذي يعيش في حالة تأهب دائم: "أعيش بهذه الطريقة كل يوم، الصدمة لا ترحل بمجرد خلع الزي العسكري".

وباء الانتحار 

في أكتوبر الماضي، كشفت لجنة برلمانية عن محاولة 279 جنديا الانتحار في غضون 18 شهرا، حيث شكل جنود الوحدات القتالية 78% من إجمالي حالات الانتحار المسجلة في عام 2024. 

ويرى خبراء أن خطر الانتحار يتضاعف بسبب النظام البيروقراطي الإسرائيلي، حيث يضطر الجندي للمثول أمام لجان تقييم قد تستغرق أشهرا للاعتراف بإصابته، مما يثني الكثيرين عن طلب المساعدة. ومع تدفق الحالات، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل "مزدحمة فوق طاقتها"، مما يترك العديد من الجنود دون علاج حقيقي.

على الصعيد الميداني، لا تزال المخاطر قائمة؛ فالجيش لا يزال يسيطر على أكثر من نصف قطاع غزة رغم الهدنة التي تدعمها الولايات المتحدة، كما تواصل القوات احتلال أجزاء من جنوب لبنان وتوسيع تواجدها في جنوب سوريا. 

ومع اشتعال التوتر مع طهران والتهديدات بتدخل أمريكي، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة كبرى: كيف يمكنها الاستمرار في حروب استنزاف طويلة بينما تنهار القوى النفسية لجنودها من الداخل؟

تؤكد هذه الأزمة أن الحرب لا تترك آثارها فقط في الطرق والبنية التحتية أو المباني المحطمة والحدود المرسومة، بل في الأرواح التي تشوهت خلف خطوط القتال، ما يطرح تساؤلات كبرى حول التكلفة الإنسانية بعيدة المدى لهذا الصراع المستمر.