الثلاثاء 20 يناير 2026 الموافق 01 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تحقيقات وحوارات

عبدالناصر قنديل: البرلمان القادم محصن قانونيًا بسبب الأحكام القضائية.. ولا يلقى قبولًا لدى الشارع| حوار

عبد الناصر قنديل
عبد الناصر قنديل

خبير النظم التشريعية والبرلمانية في حوار مع «الرئيس نيوز»:

رؤساء الأحزاب اختاروا أهل الثقة ورشحوهم للقائمة وتجاهلوا الكفاءات

36 حزبًا تقدّموا للانتخابات ولم يقدموا برنامجًا انتخابيًا واحدًا

مجلس النواب القادم أمامه عام إما يكتسب الثقة أو يُحل

كثير من نواب المعارضة في البرلمان الماضي كانوا يغازلون السلطة التنفيذية بالموافقة على تشريعات أحزابهم ترفضها

لا نملك معارضة ولكن لدينا مكايدة سياسية

تداول السلطة في الأحزاب مسرحية.. الوفد يستعيد السيد البدوي بعدما اعتبروه شيطانًا منذ 7 سنوات

الكتلة الرئيسية التي شاركت في الانتخابات إما عشائرية أو فقراء

وزارات الشباب والتعليم العالي والتضامن ينبغي أن تُحاسب بسبب ضعف الإقبال على الانتخابات

45 حزبًا دعموا القائمة المغلقة دون مقابل فأفسدوا طريق العدالة الانتخابية

أكد عبد الناصر قنديل، خبير النظم التشريعية والبرلمانية، أن النظام الانتخابي الحالي في مصر وصل إلى مرحلة «اللاجدوى» بعد ما وصفه بـ«رصاصة الرحمة» التي أطلقتها الانتخابات الأخيرة على استمراره.

وقال قنديل في حوار لـ«الرئيس نيوز»، إن الخلل في توزيع المقاعد بين المحافظات، وضعف تمثيل الإرادة الشعبية، وانسداد المسار الحزبي من الداخل، باتت جميعها مؤشرات تُحتّم التوجه نحو نظام جديد يقوم على فلسفة تشريعية واضحة قبل صياغة النصوص.

وشدد على أن الإصلاح السياسي لن يبدأ من البرلمان، بل من داخل الأحزاب التي ما زالت – بحسب تعبيره – تُدار بالتعيين لا بالانتخاب، وتحمل هياكل صورية لا تعكس أي ممارسة ديمقراطية حقيقية.

وإلى نص الحوار:

ما رأيك في المشهد الانتخابي الحالي؟

دعنا نتفق أن المشهد الانتخابي الحالي هو واحد من أكثر المشاهد أرباكا في تاريخ الحياة النيابية المصرية، وفي ذات الوقت هو واحد من أكثر المشاهد تماسكا من الناحية القانونية، لأن الارتباك الذي بدأ به المشهد عزز من اللجوء إلى الآلية القضائية للطعن على كافة الإجراءات، فصدر بشأنها أحكام، وبالتالي هذه الأحكام حصنت المجلس القادم وإجراءات عقده من إمكانيات النقوص عنها في فترات لاحقة. لذلك هذا المجلس، برغم كل مشابه من مساوئ وإشكاليات، أكثر مجلس لديه استقرار قانوني وقضائي في المجالس النيابية.

لكن ماذا عن المشهد العام والأجواء التي أُجريت خلالها الانتخابات الأخيرة؟

المشهد العام لانتخابات 2025 كان كاشفًا عن كمية فجوات مجتمعية مرعبة: أولًا مدى هشاشة أوضاع الأحزاب السياسية المصرية، ومدى تحكم رؤسائها في مقاليد أمرها لدرجة أن رؤساء الأحزاب عندما اختاروا مرشحين للانتخابات البرلمانية، اختاروا أتباعًا أكثر مما اختاروا قادة، وهذا فجر الأوضاع الداخلية في عديد من هذه الأحزاب وصنع مشكلات داخلها، وأثبت فكرة أن الدولة لا تحتضن التجربة الحزبية ولكن تحتضن رؤساء الأحزاب وليس الأحزاب ذاتها، وبالتالي هذا ملمح مهم من ملامح المشهد.

هذا المجلس بدأ باختيارات معظمها أثار غضبًا مجتمعيًا، العديد من الاختيارات التي جاءت تفضيلية في الترشحات سواء على المقاعد الفردية أو مقاعد القائمة لم تكن لعناصر يمكن بأي حال من الأحوال أن تُقبل باعتبارها ممثلي الشعب في ممارسة سلطة التشريع والرقابة، وهذا كان سببًا في غضب مجتمعي في نسبة التصويت وترجعها في عملية الاقتراع.

كما أن معظم هؤلاء الأشخاص لا يجيدون سوى لغة المال، فلم يقدموا أي شيء في مؤتمراتهم سوى البهرجة والمهرجانات، وشاهدنا أحد المؤتمرات التي نظمها حزب سياسي عريق يتضمن وصلة للرقص الشرقي من إحدى المشرفات على المؤتمر مع الشباب المشرفين، وهذا يكشف إلى أي مدى وصلت الأمور على الأرض.

إضافة إلى فكرة العطايا والهبات المالية، سواء بتقديم سلع استغلالًا للناس أو إعطاء أموال لثني إرادتهم وإجبارهم على التصويت بشكل معين، أيضًا كان ملمحًا من ملامح الاختيارات غير الأكفأ وغير الأنسب لهذه المرحلة.

ثالثًا، هذه أول عملية اقتراع تتم منذ أكثر من 100 سنة تغيب عنها السياسة، برغم أننا ننتخب مجلسًا سياسيًا؛ لدينا 36 حزبًا لم يقدم أي منهم برنامجًا سياسيًا يخوض به الانتخابات.

ولماذا لم تقدم الأحزاب برامجها السياسية للانتخابات؟

هذا دليل على أنه لا يوجد حياة حزبية حقيقية، وأن الانتخابات كانت شكلًا من أشكال التزكية لهؤلاء العناصر، خصوصًا أن معظم هذه الأحزاب وصلت إلى البرلمان عبر القوائم النظامية المغلقة المصمّتة التي ينجح فيها الجميع أو يخسر الجميع، ولأنه لا يوجد بديل، فكانت هذه النتيجة. وحتى الآن، هناك عدد من أحزاب القائمة لم يحصل على مقعد واحد في الفردي.

قلت أن رؤساء الأحزاب اختاروا أتباعًا وليس قادة، ما المقصود بهذا التوصيف؟

الاختيار أصبح بيد رؤساء الأحزاب، وبالتالي كل رئيس يختار المقرب منه ومن يحبه، ويبتعد عن المعارضين له، وبالتالي الهوى غلب الاختيار في الترشيحات، والتي جاءت باختيار أهل الثقة وليس الكفاءة. ورأينا أن بعض الأحزاب التي لم يكن لها أهل ثقة أعدت مزادًا على مقاعدها وباعتها لأشخاص من خارج الحزب.

هل يمكن الطعن على القائمة؟

القائمة استوفت الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون، تقدمت بأوراقها واعتمدت، وفتح باب التظلمات والطعون، ولم يتغير ما أكسبها وضعًا قانونيًا. وطبقًا للقانون، عندما يكون لديك مترشح واحد أو قائمة واحدة، المطلوب هو تحقيق نسبة 5% من إجمالي عدد الناخبين المقيدين، والقائمة حصلت على 16%.

كيف ترى موقف الشارع المصري من المجلس القادم، وهل تتوقع استمراره أم أن حله قد يكون مطروحًا خلال الفترة المقبلة؟

هذا المجلس لا يلقى قبولًا لدى قطاع واسع من المصريين، يبدأ والمصريون متحفّظون ويتمنون أن يرحل، لكن هذا يبقى رهينًا على قدرته على العمل، وسيظهر ذلك خلال أول عام له؛ إما أن يثبت جدارة ويكمل أو يزيد حالة السخط في الشارع، فلا يصبح أمام رئيس الجمهورية إلا اللجوء لدعوة الشعب للاستفتاء على حل المجلس.

كيف تتوقع شكل العلاقة بين مجلس النواب والحكومة في المجلس القادم؟

دعنا نتفق أن فكرة غلبة قوانين الحكومة على قوانين النواب موجودة في كل دول العالم، لأن الحكومة لديها الكفاءة الأعلى، ولديها الجهاز الأكبر الذي يستطيع مساعدتها في الوصول، كما أنها تكون على دراية بالفجوات الموجودة لديها بحكم الممارسة.

مشكلتي ليست في أن الحكومة تقدم قوانين أكثر، مشكلتي الحقيقية في مستوى مناقشة التشريع؛ كفاءة النقاش على هذه التشريعات أهم بكثير. عندما تتقدم الحكومة بقانون، وأنا كنائب أرى أن هذا القانون مجحف أو أن فلسفته قائمة على الجباية وليست قائمة على رفع كفاءة الخدمة، فيجب أن أقف وأرفض أو أقدم بديلًا. الحقيقة أن النواب لم يكونوا يرفضون ولا يقدمون بديلًا، والمرحلة القادمة أعتقد أنها ستكون مختلفة.

ما الشواهد على هذا التغيير؟

أولًا، المزاج العام واضح تمامًا في اتجاهات التصويت على الأرض، أن نواب الموالاة ونواب البصمة لم يعد لهم وجود في المجلس القادم. اليوم شاهدنا كثيرًا من المرشحين يُنكَّل بهم في دوائرهم نتيجة غيابهم عن الخدمات على الأرض أو عدم فعالية أدائهم البرلماني.

وكثير من نواب المعارضة في البرلمان الماضي كانوا يغازلون السلطة التنفيذية بالموافقة على تشريعات أحزابهم تصدر بيانات سياسية تقول إنها ضدها، حتى يضمنوا الاحتفاظ بمقعدهم داخل المجلس. هذه الممارسة كانت موجودة في المجلس الماضي، وأنت أمام أشخاص ينتقدون، ويغازلون الرأي العام بخطاب صوتي لكنه لا يخلف أثرًا ولا يصحبه أدوات رقابية حقيقية.

كيف ترى طبيعة البرلمان الجديد في ضوء استمرار نفس موازين القوى؟ وما أبرز التحديات التي تواجه بنية الأحزاب السياسية في مصر وضرورة إصلاحها؟

الشكل العام الذي نراه يقول إنه لا يوجد تغيير لأن أوزان القوى الموجودة هي ذات أوزان القوى التي كانت موجودة في البرلمان الماضي، لكن الوضع العام وخطاب رئيس الجمهورية أو تدوينة رئيس الجمهورية المعترضة على شكل البرلمان والكلام الذي دار بعدها، أعتقد أنه كان يقول بشكل واضح إن التركيبة بشكلها الحالي لا تصلح للاستمرار، وإننا نحتاج إلى إعادة النظر في هذه التركيبة.

أول خطوة أن يُحدد القانون الأحزاب. أنا أحتاج قانونًا جديدًا للأحزاب السياسية، لا يصح أن تأتي وتقول لي اليوم، وأنت في سنة 2025، إن القانون المنظم لعمل الأحزاب في مصر هو القانون 40 لسنة 77، حتى لو أجريت عليه مجموعة من التعديلات، لكنها في الحقيقة كان كل هدف التعديلات الثمانية في القانون أنها تعدل العدد المطلوب للحصول على رخصة الحزب، لكننا لم نتحدث عن باقي الأمور.

أنت لديك أولًا الأحزاب — وأنا هنا أتحدث عن الأحزاب كلها بما فيها الأحزاب التي تقول عن نفسها أحزاب معارضة — كلها المواقع القيادية تُشغل بالتعيين وليس بالانتخاب، ومن يأتي منهم على الدولة إذا لم تكن الانتخابات جيدة؟ حسنًا، الدولة على الأقل تجري الانتخابات، فأنت لماذا لا تجري انتخابات في حزبك؟ كل المناصب القيادية من أكبر حزب في مصر إلى أقل حزب — إلا القليل منها — كلها تسير بالتعيين: رئيس حزب كذا يعين فلانًا في مسؤولية كذا. فإذا لم تكن تمارس الديمقراطية من الداخل، فكيف تطالب الدولة أن تمارسها؟

ثانيًا، ما هي المدد البينية لعقد المؤتمرات؟ لديك أحزاب لم تعقد مؤتمرًا منذ تأسيسها، ولديك كثير — قل لي أين مؤتمراتها، قل لي كيف يُختار الهيكل القيادي فيها — لا يوجد هذا على الأرض. لديك أحزاب تعقد مؤتمرات وتسمّي نفسها أحزاب معارضة، وعندما دُعيت للمؤتمر انفجرت من الداخل، فتلاعب قادتها على موعد انعقاد المؤتمر حتى لا ينعقد بسبب التنافسية الموجودة. أبرزهم حزب الدستور الذي توجد فيه قضايا متبادلة بين القيادات إلى الآن فيما يتعلق بالمؤتمر، وأصبح لدينا حزب الدستور الأصلي وحزب الدستور الشعبي. حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي يعاني نفس المشكلات، وحزب الكرامة كذلك.

هل هذا معناه أننا لا نملك معارضة؟

يقينًا لا نملك معارضة، لديك مكايدة سياسية. للأسف الشديد، منذ عام 2014 أنت لديك مكايدة سياسية وليس لديك معارضة. المعارضة هي القدرة على طرح البديل. الحوار الوطني كان أكبر كاشف لمأزق المعارضة المصرية، إذ إن 90% من جلسات الحوار الوطني كانت جلسات للاستعراض الفردي.

أريد أن أذكرك أيضًا — وأنا أعود لمثال حزب الوفد — كان لديه حكومة ظل طوال عهد مبارك، من أول ما تأسس الحزب سنة 78. حكومة الظل هذه كانت مشكلة من أفراد، بعضهم تولى وزارات في عهد مبارك عندما خرجوا من الحزب وذهبوا إلى الحزب الوطني. حزب التجمع عندما قدّم لمصر في عهد مبارك طرح برنامجًا كاملًا لرحيل مبارك وتولي رئيس آخر فيه كل الملفات: اقتصاد، زراعة، صناعة. أنت لا تملك هذا الآن، حتى في حزب الوفد لا تملك هذا، حتى في حزب التجمع لا تملك هذا. هذه علامة مأزق حقيقي موجود.

تداول السلطة داخل الأحزاب أنبوب مغلق: نحن نتنافس حتى يجلس شخص على الكرسي، وأول ما يجلس على الكرسي يزيل السلم ويبدأ عهد الديكتاتورية، ثم تجلس أنت، وهذه الديكتاتورية تستمر حتى يرحل هو، لنبدأ البحث عن ديكتاتور جديد لتولي السلطة، لدرجة أن كل رئيس يرحل تتباكى عليه. الوفد اليوم يستعيد السيد البدوي، الذي منذ سبع سنوات كانوا ينظرون إليه باعتباره شيطانًا وضغطوا من أجل أن يرحل، واليوم أصبح هو سفينة النجاة للحزب، وهو نوح الوفد. هذا يخبرك إلى أي مدى وصل الارتباك.

أغلب الأحزاب الموجودة لدينا اليوم لا تملك هيئات شباب — الذراع الحقيقي للحزب — وقدرتها على النفاذ إلى وسطين مهمين: الأحزاب في العالم كله تُقاس كفاءتها بالجناح الشبابي والجناح العمالي. إذا لم تكن فاعلًا في وسط العمال، وإذا لم تكن فاعلًا في وسط الشباب، فأنت لست حزبًا. أنت تحتاج إلى أن تقرأ المشهد. لا، هم لا يملكون. حتى إنهم لا يملكون رؤية للتعامل مع هذا الملف.

كيف ترى نسب التصويت؟ وهل المستقلون استفادوا من هذه الانتخابات وحققوا نجاحًا يُذكر؟

دعني أبدأ أولًا بنسب المشاركة. هناك سؤال دائمًا أريد أن تسأله لنفسك لأنه سؤال أساسي: هل نحن نحارب الفقر أم نحارب الفقراء؟ المفترض أنني أحارب الفقر، لكن الحقيقة أننا نكرس للفقر باعتباره أحد أدوات ضمان السيطرة على المشهد، لأنك تستطيع أن تشتري به الأصوات التي تريدها. فرأينا أن الكتلة الرئيسية التي تشارك في الانتخابات إما عشائرية أو فقراء. هاتان هما الكتلتان الموجودتان على الأرض في كل الدوائر.

التصويت هنا يكون في الحد الأدنى لأن معظم هؤلاء سواء العشائرية أو الفقر يشكلون نسبة متدنية، أما باقي المجتمع فيبقى في موقع المتفرج على الانتخابات. لديك مشكلة. أنت في دوائر مثل منشأة القناطر المخصص لها أربعة مقاعد، نسبة المصوتين لم تتجاوز 6%. المنتزه في الإسكندرية 1.5% نسبة التصويت ومخصص لها أربعة مقاعد.

كيف ترى عزوف الناس عن التصويت؟

غياب الأحزاب عن التوعية والتثقيف السياسي يلعب دورًا مهمًا جدًا، كما أن الدولة نفسها - المؤسسات الوطنية المنوط بها التحفيز على المشاركة وتربية الكادر عليها - منصرفة عن هذا الأمر. أنا أتحدث بشكل واضح عن ثلاث وزارات ينبغي أن تُحاسَب وزراؤها: وزارة الشباب، وزارة التعليم العالي، ووزارة التضامن. وزارة التضامن قبضت على موظفين في جمعيات خيرية يحشدون الفقراء بالأموال لصالح مرشحين بعينهم. وزارة الشباب لم تصدر كلمة تدعو الشباب للمشاركة في الانتخابات، الوزارة منصرفة عن الأمر. كنت أكتب دراسة حول كيف تغيرت الوزارة الوطنية من وزارة للشباب إلى شباب للوزارة. لديك خمسة عشر ألف شاب تقريبًا الوزير ينقلهم من برنامج إلى برنامج.

المقصود بالمحاسبة: محاسبة شعبية أم مؤسسية؟

يجب أن يُحاسبهم البرلمان، ففي النهاية هم منفذون لسياسة عامة، فلا يصح أن أقول رئيس الوزارة يحاسبهم، ربما رئيس الوزارة راضٍ عن هذا التصرف. البرلمان يجب أن يحاسبهم: أين الشباب في الانتخابات الوطنية؟ غير موجود. من المسؤول؟ ومن رقم واحد في المسؤولية عن الشباب في هذا الوطن؟

لماذا ترى أن النظام الانتخابي الحالي وصل إلى نهايته، وما أبرز الاختلالات التي تجعله عاجزًا عن إنتاج حياة سياسية حقيقية؟

الانتخابات الأخيرة أطلقت رصاصة الرحمة على النظام القائم، لأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار بصورته الحالية، ولأن توزيع المقاعد لا يراعي الجغرافيا ولا نسب التصويت الفعلية بين المحافظات؛ فالقاهرة بـ18 مليونًا لا يصوّت فيها إلا مليون وتحصل على 62 مقعدًا، بينما الشرقية يصوّت فيها ثلاثة ملايين وتحصل على 42، وهناك دوائر بأربعة مقاعد يصوّت فيها 39 ألفًا مقابل دائرة بمقعد واحد يصوّت فيها 91 ألفًا.

هذا الخلل جعل الأحزاب تُزهد مجبرة في القائمة الوطنية وتختار أسماء “مُرضيًّا عنها” لا تمثل مبادئها، فانهارت التنافسية وغابت الكفاءة، على عكس ما كان يحدث في النظام الفردي الذي أفرز نوابًا مؤثرين وذوي حضور شعبي. لذلك لا بد من نظام جديد يراجع الفلسفة أولًا قبل النصوص، ويحدد الهدف: هل نريد برلمانًا كفئًا يعبر عن الناس أم مجرد مقاعد مملوءة بلا أداء؟ استمرار العزوف الشعبي يدق ناقوس الخطر، والديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.

ما الخطوات المطلوبة لإصلاح الحياة الحزبية والسياسية، وما الدور المنتظر من مؤتمر وطني للإصلاح؟

الإصلاح يبدأ من الداخل الحزبي قبل مطالبة الدولة، فالأحزاب تعاني شللية وتعيينات لا انتخابًا، وبعضها لا يعقد مؤتمرات ولا يملك هيكلًا قياديًا واضحًا، ووجود مائة وستة أحزاب لا يعني قوة إذا كان ستون منها لا يحضر إلا بـ"العزومات". حتى في الحوار الوطني، خرج 45 حزبًا يؤيدون استمرار القائمة المغلقة دون أن يحصلوا على أي تمثيل، فأفسدوا فرص الانتقال لنظام عادل.

المطلوب مؤتمر وطني للإصلاح السياسي، يضم خبراء لا عدّ رؤوس، ويضع رؤية وفلسفة تشريعية قبل كتابة النصوص. نحن نذهب للقانون قبل الغاية منه، مثل قانون المرور الذي جمع أموالًا بدل خفض الحوادث. المطلوب الآن سؤال واحد قبل التشريع: ماذا نريد من النظام الانتخابي؟ إذا كان الهدف برلمانًا كفئًا، فلابد من نظام جديد، لأن الفشل في إصلاح المسار الديمقراطي لن يترك بديلًا إلا الفوضى، وهذا ما لا يقبله أحد.