نُقلت سرًا من القاهرة إلى سويسرا.. تفاصيل بيع مصر 15 طن ذهب
عبد الناصر اتخذ القرار بعد رفض أمريكا توريد شحنة قمح.. واحتياطي روسيا من المحصول لم يكن يكفي
نقل
الكمية استغرق أسبوعين على 4 شحنات.. والمسؤول خشى من "خيانة" قائد
الطائرة السويسرية
هل تعلم أن مصر باعت 15 طنًا من احتياطي الذهب لديها مقابل شراء "شحنة قمح" في منتصف الستينيات؟
ربما
يبدو الكلام غريبًا بعض الشيء، لكنه حدث في ظروف اقتصادية ضاغطة، غير أن الأهم هو
تفاصيل تلك العملية التي نفذها موظف شاب في ذلك الوقت، هو الدكتور علي نجم، الذي
أصبح محافظًا للبنك المركزي عام 1985.
يروي
"نجم" القصة كاملة في حوار قديم مع الكاتب الصحفي محسن عبد العزيز، صفحات
مجلة "الشباب"، نُشر لاحقًا ضمن كتاب "عبد الناصر والسادات.. عواصف
الحرب والسلام، قبل 4 سنوات.
في
البداية، لا بد أن نفهم الظروف التي أدت إلى ذلك القرار الصعب. وحسب ما يرويه
نجم"، فإن مصر في عام 1964 واجهت نوعًا من الحصار الاقتصادي من دول كثيرة، ما
أثر على موارد الدولة التي كانت قد أنفقت أرصدة كبيرة لديها في أزمات عدة.
وإحدى
هذه الأزمات التي لم تجد لها الحكومة في ذلك الوقت حلًا سهلًا كانت العجز في محصول
القمح، وما صعّب الأمر أن أمريكا رفضت تصدير القمح لمصر كنوع من الضغط على الرئيس عبد
الناصر، كما أن روسيا لم تكن لديها فائض من الإنتاج في تلك السنة.
يقول
الدكتور علي نجم: "وأمام الحاجة الملحة إلى القمح اللازم لقوت الشعب رأى
الرئيس عبد الناصر ضرورة بيع جزء من رصيد مصر من الذهب لشراء القمح، ولم تكن هناك
وسيلة أخرى لاجتياز هذه الأزمة"، فاتخذ القرار ببيع 15 طنًا من الاحتياطي
لتوفير "لقمة العيش" للمصريين.
نأتي
إلى التفاصيل المثيرة للقصة، يحكي "نجم": "كان عمري وقتها 34 سنة،
وكنت أعمل في البنك المركزي... وقد كلفني بهذه المهمة الخطرة الدكتور عبد الحكيم
الرفاعي محافظ البنك المركزي وقتها وقال لي: "مطلوب منك أن تقوم ببيع 15 طنًا
من الذهب الموجود في خزائن البنك المركزي، وعليك أن تتولى الإجراءات اللازمة لك،
وأن تتم كل الإجراءات في سرية تامة".
كانت
مهمة "نجم" هي مرافقة كمية الذهب إلى الخارج ثم بيعها، وتحويل ثمنها إلى
مصر من أجل شراء القمح. لكن تفاصيل العملية كانت شاقة وخطرة للغاية: "طلب مني
أن أتصل ببنك التسويات الدولية وهو البنك الذي سيشتري الذهب، وكذلك تأجير الطائرة
التي تقوم بالمهمة، ثم الاتصال بشركة التأمين للتأمين على الشحنة، والاتفاق على كل
شروط التسليم مع البنك الأجنبي".
كانت
إجراءات شحن الذهب من البنك المركزي في القاهرة إلى المطار ثم إلى البنك السويسري،
طويلة وصعبة ودقيقة، ولا تحتمل أي خطأ.
كيف
تمت العملية؟ يروي الموظف الشاب آنذاك: "عملية النقل تمت في الساعة الثانية
بعد منتصف الليل حيث نُقل الذهب من خزائن البنك المركزي إلى السيارات التي حملتني
إلى مطار القاهرة في الطائرة المخصصة لنقله"، والتي كانت مؤجرة من سويسرا.
ووفق
"نجم"، فإنه "تم تأمين الشوارع من البنك المركزي حتى المطار برجال
الجيش والبوليس لتحقيق الحماية التامة لشحنة الذهب، وكانت السيارات التي تحمل
الذهب في حماية سيارات أخرى مصفحة طوال الطريق، وكان منظرًا مهيبًا لم يشعر به أحد
لأن الشوارع كانت مغلقة".
أُحيطت
العملية بالسرية والتأمين اللازمين، فلم يخبر "نجم" أحدًا بالأمر حتى
زوجته، وخرج من منزله ذات يوم في عام 1964 في الثانية صباحًا ولم يعد إلا بعد
أسبوعين.
عملية
شاقة بالفعل لم يشعرخلالها الدكتور علي نجم بأي رهبة: "لكني أحسست فقط
بالإجهاد الشديد، وكدت أموت من شدة التعب، فلقد توليت بمفردي المسؤولية كاملة، ولم
أذق طعم النوم لمدة 36 ساعة حتى سلمت الذهب للبنك السويسري".
لم
تُنقل كمية الذهب على دفعة واحدة، بل على 4 مرات: "لأنه لا توجد طائرة تستطيع
أن تحمل 15 طنا مرة واحدة، وفي كل مرة كنا نعيد نفس الإجراءات من جديد".
طوال
فترة وجود "نجم" في الطائرة، كان عليه أن يقارن محتويات كل صندوق ذهب
بما هو مدون لديه من مستندات: "وجلست في الطائرة على مقعد وأمامي صناديق
الذهب، فقد تم رفع الكراسي نهائيًا ليوضع الذهب في أرضية الطائرة، وبالتالي لم يكن
في الطائرة ركاب غيري".
في
تلك الأثناء التي يكون فيها مصير بلد بأكمله في يد شخص واحد يحمل مهمة ثقيلة، طرأ
على ذهن الدكتور علي نجم خاطر مقلق: "كنت أخاف من الطيار لو راودته فكرة أن
يأخذ الذهب ويهبط في أي مكان، فماذا أفعل وأنا وحدي؟! ولم أكن أحمل أي سلاح رغم كل
الحراسات التي تحيط بي قبل إقلاع الطائرة أو عند هبوطها في مطار سويسرا".
بعد
أن أوصل "نجم" الشحنات الأربع واكتملت الكمية بـ15 طن ذهب، دفع البنك
قيمتها لحساب البنك المركزي المصري بالدولار، واشترت مصر القمح في ذلك العام الصعب.