الأرض والأنقاض والرواية العسكرية.. تفاصيل جديدة تكشف أبعاد الحرب على غزة
لم تعد الحرب في قطاع غزة تقتصر على القصف والعمليات العسكرية وتدمير المباني، بل امتدت آثارها إلى تغيير ملامح الأرض ومحو معالم الأحياء السكنية، وإعادة تشكيل البيئة العمرانية والجغرافية، بالتوازي مع معركة أخرى تتعلق بالمعلومات والرواية الإعلامية التي تصل إلى الجمهور داخل إسرائيل وخارجها.
وتكشف شهادتان برزتا خلال الأيام الأخيرة جانبين مختلفين من هذه التطورات؛ الأولى للمعماري والباحث الإسرائيلي البريطاني إيال وايزمان، مؤسس ومدير مؤسسة «فورينزيك أركيتكتشر» المتخصصة في التحقيقات المعمارية، والثانية لأيلت كرويزر، الموظفة السابقة في وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، التي تحدثت عن تجربتها في إعداد المعلومات والبيانات العسكرية الموجهة إلى وسائل الإعلام.
وتعيد الشهادتان طرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الحرب في غزة، وحدود التدمير العمراني، ومستقبل عودة السكان وإعادة الإعمار، إلى جانب دور المؤسسات العسكرية والإعلامية في تقديم المعلومات المتعلقة بالعمليات والضحايا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل التقارير الأممية التي تناولت الأفعال الإسرائيلية في القطاع، والجدل القانوني والدولي حول توصيفها، خاصة بعد إعلان لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 نتائج تحقيقها بشأن ارتكاب أفعال إبادة جماعية في غزة.
إيال وايزمان يكشف مفهوم «محو الأرض».. لماذا يتجاوز الدمار مجرد هدم المنازل؟
خلال مقابلة مع برنامج «ديموكراسي ناو» الأمريكي في 30 أكتوبر 2026، استعرض إيال وايزمان أبرز الأفكار التي يتناولها كتابه الجديد «Ungrounding: The Architecture of Genocide»، والذي يناقش العلاقة بين تدمير البيئة العمرانية والطبيعية في غزة، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي وتأثير ذلك على حياة الفلسطينيين.
ويقدم وايزمان مفهومًا يسميه «Ungrounding»، يمكن التعبير عنه بمحو الارتباط بالأرض، ويقصد به عملية تتجاوز تدمير المباني بالقصف إلى إزالة آثارها وإعادة تشكيل سطح الأرض باستخدام المعدات الثقيلة والجرافات.
ووفقًا لتحليله، فإن إزالة الأنقاض وتسوية التربة لا تعني فقط التخلص من مخلفات المباني المدمرة، بل قد تؤدي أيضًا إلى طمس المعالم التي كانت تساعد السكان على تحديد مواقع منازلهم وأحيائهم وشوارعهم السابقة.
ويرى الباحث أن الأرض تحمل ذاكرة المجتمع وتفاصيل حياته اليومية، ولذلك فإن تغيير تضاريس المناطق السكنية وإزالة آثارها يضيف بُعدًا آخر إلى آثار الحرب، يتمثل في صعوبة استعادة الارتباط بالمكان، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
ويؤكد هذا الطرح أن دراسة ما يحدث في غزة لا يمكن أن تقتصر على عدد المباني المهدمة أو حجم الأنقاض، بل يجب أن تشمل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والأراضي الزراعية والمساحات المفتوحة، باعتبارها عناصر مترابطة تقوم عليها حياة السكان.
الجرافات الأمريكية والأنقاض.. كيف تتحول المباني المدمرة إلى بنية للسيطرة؟
من أبرز النقاط التي تناولها وايزمان في المقابلة دور الجرافات والمعدات الثقيلة في تغيير المشهد الجغرافي داخل قطاع غزة، مشيرًا إلى استخدام معدات أمريكية وأوروبية الصنع، ومن بينها المعدات التابعة لشركة «كاتربيلر»، في تحريك الأنقاض وإعادة تشكيل الأرض.
وأوضح أن المعدات الثقيلة لا تستخدم فقط لإزالة مخلفات القصف، وفق قراءته، بل تشارك أيضًا في إنشاء طرق ومواقع عسكرية وسواتر ترابية باستخدام ركام المباني الفلسطينية المدمرة.
وأشار وايزمان إلى سواتر ترابية قال إن ارتفاعها يصل إلى نحو 6 أمتار، وتمتد لمسافة تقدر بنحو 40 كيلومترًا بمحاذاة ما يعرف بـ«الخط البرتقالي»، معتبرًا أن هذه المنشآت قد تتحول إلى عناصر مادية مستمرة في المشهد الجغرافي للقطاع.
وتكمن خطورة هذه التحولات، بحسب تحليله، في احتمال تحول الأنقاض من نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية إلى مادة تستخدم في إنشاء حواجز وطرق ومواقع جديدة، بما يؤثر على حركة السكان وإمكانية العودة إلى المناطق المدمرة.
كما يثير هذا الأمر أسئلة تتعلق بمستقبل إعادة إعمار غزة، والجهة التي ستحدد مواقع البناء الجديدة، وحدود المناطق المتاحة للسكان، وكيفية ضمان عودة النازحين إلى منازلهم وأحيائهم.
تحريك الأنقاض يثير تساؤلات حول مصير المفقودين وأدلة الدمار
ومن القضايا التي أثارها وايزمان أيضًا تأثير نقل الأنقاض وإعادة تشكيلها على جهود البحث عن المفقودين واستخراج رفات الضحايا، موضحًا أن بعض المباني المدمرة قد تحتوي على رفات أشخاص لم تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم.
ويرى أن تحريك الركام دون توثيق كافٍ لمواقع المباني والضحايا قد يؤدي إلى فقدان معلومات مادية مهمة، ويجعل عمليات البحث المستقبلية أكثر تعقيدًا، فضلًا عن تأثيره على حفظ الأدلة المرتبطة بالعمليات العسكرية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إنسانية وقانونية، إذ لا تتوقف آثار تدمير المنازل عند فقدان المأوى، بل تمتد إلى صعوبة تحديد مواقع المفقودين، واستعادة الممتلكات، وتوثيق ما تعرضت له المناطق السكنية.
ومن هنا، يطرح تحليل «فورينزيك أركيتكتشر» ضرورة التعامل مع الأنقاض باعتبارها تحمل آثارًا وذكريات وشواهد مادية، وليس مجرد مخلفات يمكن نقلها أو تسويتها دون إجراءات توثيقية.
من الانسحاب الإسرائيلي عام 2005 إلى الجدل حول مستقبل السيطرة على غزة
ويعيد كتاب وايزمان طرح مفهوم «فك الارتباط» الذي يحمل دلالة تاريخية مرتبطة بخطة الانسحاب الإسرائيلية من قطاع غزة عام 2005، والتي شهدت إخلاء المستوطنات الإسرائيلية القائمة داخل القطاع.
لكن التحليل الذي يقدمه الباحث يتجاوز حدود الانسحاب من المستوطنات، ليركز على أشكال السيطرة المكانية والجغرافية، وكيف يمكن أن تستمر من خلال التحكم في الطرق والممرات والحدود ومناطق الانتشار العسكري.
ويشير هذا الطرح إلى أن مستقبل غزة لا يرتبط فقط بوقف إطلاق النار، بل أيضًا بطبيعة الترتيبات التي ستحدد شكل السيطرة على الأرض، ومدى قدرة السكان على التنقل والعودة إلى مناطقهم، وإعادة بناء مجتمعاتهم.
كما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت المنشآت العسكرية والطرق والسواتر التي يجري إنشاؤها خلال الحرب ستظل مؤقتة أم ستتحول إلى واقع جغرافي طويل الأمد يؤثر في مستقبل القطاع.
شهادة أيلت كرويزر.. ماذا يحدث داخل وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي؟
وبالتوازي مع التحليل المعماري، برزت شهادة أيلت كرويزر، العضوة السابقة في وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، والتي أعلنت تعيينها متحدثة باسم منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، المعنية بنشر شهادات جنود سابقين عن ممارسات الجيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقالت كرويزر، في منشور عبر منصة «إكس»، إنها شاركت خلال فترة خدمتها في إعداد وتقديم معلومات إلى وسائل الإعلام، وإنها شاهدت كيفية صياغة التفاصيل العسكرية وفقًا للجمهور المستهدف والهدف المراد تحقيقه من الرسالة الإعلامية.
وأضافت أنها شاهدت استخدام وصف «إرهابي» بحق فلسطينيين وصفتهم بأنهم أبرياء، كما تحدثت عن اختلاف طبيعة الرسائل الموجهة إلى الجمهور الإسرائيلي عن تلك الموجهة إلى الجمهور الدولي.
وبحسب روايتها، كانت الرسائل الموجهة إلى الداخل الإسرائيلي تستهدف تعزيز ثقة المواطنين في الجيش، بينما ركزت الرسائل الخارجية على توسيع نطاق القبول الدولي للعمليات العسكرية.
كما تحدثت عن إعداد بيانات تتعلق بسقوط أعداد كبيرة من القتلى خلال الضربات العسكرية، وإضافة عبارات الأسف بشأن الأضرار التي تلحق بالمدنيين، معتبرة أن حق الجمهور في معرفة التفاصيل كان يأتي في مرتبة ثانوية خلال تجربتها.
وأثارت شهادتها اهتمامًا بسبب صدورها عن شخص عمل داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقررت لاحقًا الانضمام إلى منظمة تنشر شهادات عن ممارسات الجيش، لكنها تظل رواية شخصية تتطلب تقييمًا مستقلًا للوقائع التي تتضمنها.
جدل داخل إسرائيل حول طبيعة عمل الموظفة السابقة
وفي المقابل، تناولت وسائل إعلام إسرائيلية الجدل الذي أعقب تصريحات كرويزر، ونقلت اعتراضات صحفيين على مدى اتصال دورها السابق بالبيانات العملياتية الخاصة بالحرب في غزة.
وأشار تقرير نشره موقع «إسرائيل ناشيونال نيوز» في 3 نوفمبر 2026 إلى أن الصحفية أفيشاي غرينزايغ قالت إن كرويزر عملت في قسم الإعلام الاقتصادي التابع لوحدة المتحدث باسم الجيش، وليس في القسم المسؤول عن البيانات المتعلقة بالعمليات العسكرية في غزة.
كما نقل التقرير اعتراض صحفي آخر سبق له العمل معها، وتساؤله بشأن طبيعة اطلاعها على المعلومات التي تحدثت عنها.
ويضع هذا الجدل أهمية خاصة أمام ضرورة التمييز بين ما أكدته كرويزر عن تجربتها الشخصية، وما يحتاج إلى توثيق إضافي بشأن طبيعة مسؤولياتها ومشاركتها الفعلية في صياغة البيانات المتعلقة بالعمليات العسكرية.
ومع ذلك، تعيد هذه الشهادة فتح النقاش حول دور الاتصال العسكري والإعلام الرسمي في إدارة المعلومات خلال الحروب، والحدود الفاصلة بين عرض الوقائع وصياغة الرسائل التي تستهدف التأثير في الرأي العام.
تقارير الأمم المتحدة والإبادة الجماعية في غزة.. ماذا قالت لجنة التحقيق الدولية؟
ويتقاطع النقاش حول تدمير البيئة العمرانية وإدارة الرواية الإعلامية مع المسار الحقوقي والقانوني الدولي المتعلق بالحرب في قطاع غزة.
ففي 16 سبتمبر 2025، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان، أنها خلصت إلى أن السلطات الإسرائيلية والقوات الأمنية الإسرائيلية ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة المحددة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وهي القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تستهدف التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب.
كما صدر تقرير أممي آخر في أكتوبر 2026 أكد استمرار ارتكاب أفعال وصفتها اللجنة بأنها ذات صلة بالإبادة الجماعية، وربطت جانبًا من الأضرار الواقعة على الفلسطينيين بتوسع السيطرة الإقليمية الإسرائيلية.
ومن الضروري التمييز بين نتائج لجان التحقيق الدولية والتقارير الحقوقية من جهة، والأحكام القضائية النهائية الصادرة عن المحاكم المختصة من جهة أخرى؛ إذ تمثل هذه النتائج تقييمات وتحقيقات أممية مهمة، لكنها لا تعني بذاتها صدور حكم نهائي من محكمة جنائية.
## تدمير غزة وإدارة المعلومات.. هل أصبحت المعركة على الأرض والرواية معًا؟
تكشف المقارنة بين تحليل إيال وايزمان وشهادة أيلت كرويزر عن جانبين مختلفين من الحرب في غزة؛ الأول يتعلق بتغيير البيئة العمرانية والطبيعية، والثاني يرتبط بطريقة تقديم المعلومات العسكرية إلى الجمهور.
فبينما يحذر وايزمان من أن إزالة الأنقاض وإعادة تشكيل التضاريس قد تؤثر في هوية المكان وفرص العودة وإعادة الإعمار، تتناول كرويزر من واقع تجربتها السابقة آليات إعداد الرسائل الإعلامية وتوجيه المعلومات المعلنة عن العمليات والضحايا.