< القوة العسكرية لا تكفي.. كيف تعيد حرب إيران حسابات النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

القوة العسكرية لا تكفي.. كيف تعيد حرب إيران حسابات النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط؟

مضيق هرمز
مضيق هرمز

تضع المفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران منطقة الخليج أمام معادلة استراتيجية معقدة، تتجاوز الخلاف حول البرنامج النووي والعقوبات إلى مستقبل مضيق هرمز وأمن صادرات الطاقة وحدود النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. وبينما تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الضغط الاقتصادي والعسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات، تحاول الدول الخليجية تجنب مواجهة تهدد منشآتها الحيوية وخططها الاقتصادية. وتسعى إيران إلى تحويل موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد الملاحة إلى أوراق تفاوضية تعوض جانبًا من تفوق خصومها العسكري.

يرى محسن ميلاني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب فلوريدا، أن الحرب تعيد تشكيل موازين القوى في الخليج، وتفتح المجال أمام إيران لإعادة تثبيت نفوذها الإقليمي، بينما تمنح الصين فرصًا لتوسيع حضورها. وبذلك، لن تقاس نتيجة المواجهة بالخسائر العسكرية وحدها، بل بقدرة كل طرف على التأثير في النظام الإقليمي المقبل، وفقًا للمعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، في لندن.

إيران.. خسائر اقتصادية وأوراق ضغط استراتيجية

تواجه طهران معضلة مزدوجة؛ إذ يستنزف الحصار الأمريكي مواردها المالية ويقيد صادراتها النفطية، لكنه يدفعها إلى استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط على واشنطن وحلفائها. وتراهن القيادة الإيرانية على أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية سيزيدان الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية، ويرفعان تكلفة استمرار المواجهة.

ويشير دانيال بايمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن الصراع يتجاوز التفوق العسكري إلى قدرة الأطراف على تحمل التكاليف وانتزاع تنازلات سياسية. فامتلاك القوة لا يضمن تحقيق الأهداف إذا استطاع الخصم فرض أعباء اقتصادية وإقليمية على الطرف الأقوى.

لكن قدرة إيران على إلحاق الضرر لا تعني قدرتها على تحمل حرب مفتوحة بلا نهاية. فاستمرار العقوبات واضطراب التجارة يضغطان على اقتصادها، بينما قد يؤدي الإفراط في استخدام ورقة المضيق إلى تحرك دولي أوسع لإعادة فتحه بالقوة. ويتمثل التحدي أمام طهران في تحويل نفوذها الجغرافي إلى مكاسب سياسية مستدامة بدلًا من استنزافه في مواجهة طويلة.

الخليج.. مخاطر تتجاوز صادرات النفط

تتحمل دول مجلس التعاون الخليجي تكاليف تشمل حماية منشآت الطاقة والمطارات والموانئ، وتأمين الملاحة، ومواجهة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. كما تهدد الهجمات المحتملة على محطات التحلية والبنية التحتية الحيوية أمن السكان وثقة المستثمرين، وتضع خطط التنويع الاقتصادي أمام اختبارات صعبة.

وتكشف تحليلات فريدريك وهري وتشارلز إتش جونسون عن الضغوط التي تفرضها الحرب على أمن الخليج وتماسكه الاجتماعي واعتماده على الضمانات العسكرية الأمريكية. وتمتد التداعيات إلى السياحة والطيران والإمدادات الغذائية والعمالة الوافدة، بما يجعل كلفة المواجهة أوسع من الأضرار المباشرة، وفقًا لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

وتواجه السعودية ضرورة الموازنة بين حماية صادراتها النفطية وتجنب التصعيد، مع تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز. لكن خطوط الأنابيب لا تلغي المخاطر، إذ تظل عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة والتخريب. وتحد البدائل من الاعتماد على المضيق، لكنها لا تنهي قدرة إيران على تهديد أمن الطاقة الخليجي، وفقًا لتحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

واشنطن.. التفوق العسكري لا يضمن الانتصار

تمتلك الولايات المتحدة قدرات عسكرية تفوق نظيرتها الإيرانية، لكنها تواجه تحديًا في تحويل هذه القدرات إلى تسوية تحقق أهدافها دون حرب طويلة أو اضطراب اقتصادي عالمي. وكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت تكاليف العمليات العسكرية ومخاطر الملاحة والطاقة، بينما تتزايد الضغوط السياسية الداخلية على ترامب بسبب تداعيات الحرب وأسعار الوقود.

وتكشف المقاربة التي يعرضها دانيال بايمان عن صراع على الإرادة والقدرة على تحمل الخسائر، وليس على القوة النارية وحدها. وقد تحقق العمليات العسكرية مكاسب ميدانية، لكنها لا تضمن تسوية سياسية مستقرة إذا احتفظت طهران بأدوات ضغط مؤثرة، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

وتواجه واشنطن أيضًا تحدي إعادة بناء الثقة في دورها الأمني. فقد تدفع المخاوف الخليجية من تكرار الهجمات العواصم الإقليمية إلى تنويع علاقاتها الدولية وتوسيع تعاونها مع الصين وقوى أخرى، بما يعيد رسم حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة.

مضيق هرمز.. مفتاح التسوية ومصدر الخطر

يظل مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز العقدة الأكثر إلحاحًا في المفاوضات. فاستعادة حركة السفن تتطلب ترتيبات عملية تضمن المرور الآمن، وتحدد مسؤوليات الأطراف وآليات التعامل مع الحوادث البحرية، بدلًا من الاكتفاء بإعلان سياسي لإنهاء الأزمة.

وتؤكد نيتيا لابه، الباحثة المشاركة في برنامج الأمن الدولي لدى تشاتام هاوس، أهمية الخطوات المتبادلة القابلة للتحقق، بما يشمل تأمين حركة السفن وإزالة الألغام وإنشاء آليات للإبلاغ عن الحوادث. كما يتطلب أي اتفاق مستدام ربط تخفيف العقوبات بالتزامات واضحة، لأن الغموض بشأن قواعد الملاحة قد يعيد إشعال المواجهة.

ويشير حسن الحسن، الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى المعضلة التي تواجه دول الخليج بين دعم التسوية لتجنب الحرب والقلق من تحول النفوذ الإيراني في المضيق إلى واقع دائم. ويعكس هذا التوتر صعوبة الفصل بين الحاجة العاجلة إلى استقرار الملاحة والحسابات الأمنية بعيدة المدى.

من يدفع الفاتورة الأكبر؟

تختلف الخسائر باختلاف طبيعتها؛ إذ تتحمل إيران ضغطًا اقتصاديًا يهدد مواردها، وتواجه دول الخليج مخاطر أمنية تمس منشآتها وصادراتها وخططها التنموية، بينما تتحمل الولايات المتحدة تكاليف عسكرية وسياسية قد تعرقل تحويل تفوقها الميداني إلى نتيجة استراتيجية.