< أسعار الأدوية في مصر أمام آلية جديدة.. 3 مؤشرات تحسم معادلة التسعير
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

أسعار الأدوية في مصر أمام آلية جديدة.. 3 مؤشرات تحسم معادلة التسعير

تعبيرية
تعبيرية

كشفت وحدة الأبحاث «BMI» التابعة لمؤسسة «فيتش سوليوشنز» عن قراءة جديدة لتعديلات إطار تسعير الأدوية في مصر، مشيرة إلى أن الآلية الجديدة تستهدف جعل مراجعة الأسعار أكثر ارتباطًا بالتغيرات الاقتصادية، خاصة تحركات سعر الصرف ومعدلات التضخم وأسعار الفائدة، بما قد يساعد شركات الأدوية على التعامل بصورة أسرع مع تغيرات تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة.

وتأتي هذه التعديلات في وقت يمثل فيه استقرار تكلفة الإنتاج وتوفير الأدوية تحديًا مهمًا للقطاع، خصوصًا مع استمرار اعتماد المصانع المحلية على استيراد نسبة كبيرة من المواد الخام والمكونات الصيدلانية الفعالة، وهو ما يجعل تغيرات سعر الصرف والتكاليف العالمية عاملًا مؤثرًا في تكلفة الدواء محليًا.

كيف تعمل معادلة تسعير الأدوية الجديدة؟

وفقًا للبيانات الواردة في التقرير، تعتمد آلية التسعير المعدلة على 3 مؤشرات اقتصادية رئيسية، يأتي في مقدمتها سعر الصرف بنسبة 60% من معادلة التسعير، يليه معدل التضخم بنسبة 30%، بينما تمثل أسعار الفائدة على الودائع لليلة واحدة لدى البنك المركزي المصري 10% من المعادلة.

وتتيح الضوابط إمكانية مراجعة معادلة التسعير خلال فترة تقل عن 6 أشهر في حال حدوث ظروف استثنائية تستدعي ذلك، كما يمكن بحث تعديل السعر عندما تشير المعادلة إلى تغير لا يقل عن 10% على مدار 45 يومًا.

ولا تعني هذه الآلية أن أسعار الأدوية ستتحرك تلقائيًا بمجرد تغير المؤشرات الاقتصادية، إذ يتعين على الشركات المصنعة تقديم طلب مدعوم ببيانات التكلفة، بينما تحتفظ الجهة التنظيمية بصلاحية خفض الأسعار بصورة مستقلة وفق القواعد المنظمة.

وتشير هيئة الدواء المصرية إلى وجود أطر تنظيمية متعددة تنظم تسجيل وتسعير المستحضرات الطبية البشرية، بما في ذلك المستحضرات المصنعة محليًا والمستوردة، إلى جانب متطلبات تتعلق بملفات التكلفة والتسعير.

ماذا يعني تعديل تسعير الأدوية لشركات التصنيع؟

ترى «BMI» أن الإطار الجديد يستهدف معالجة فجوة كانت قائمة بين الأسعار المنظمة للأدوية بالجنيه المصري وبين تكاليف الإنتاج والاستيراد التي تتأثر بصورة مباشرة بالتغيرات الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن مصر تنتج نسبة كبيرة من الأدوية المتداولة في السوق المحلية، فإن صناعة الدواء لا تزال تعتمد على استيراد العديد من المدخلات، وعلى رأسها المواد الفعالة والمواد المساعدة ومستلزمات التعبئة والتغليف وبعض المعدات. ولذلك فإن انخفاض قيمة الجنيه أو ارتفاع تكاليف الاستيراد يمكن أن يرفع تكلفة الإنتاج حتى مع استمرار ثبات سعر الدواء لفترة من الزمن.

وبحسب تحليل «فيتش سوليوشنز» الوارد في المادة، فإن عدم تحرك الأسعار المنظمة بالسرعة نفسها التي تتحرك بها تكاليف المدخلات خلال الفترات السابقة ساهم في الضغط على هوامش أرباح بعض الشركات، كما ارتبط بظهور نقص متقطع في بعض المنتجات، خصوصًا الأدوية منخفضة السعر.

ويعني ربط التسعير بصورة أكبر بالمؤشرات الاقتصادية أن الشركات يمكنها تقديم طلبات لإعادة النظر في الأسعار عندما تتغير عناصر التكلفة بصورة جوهرية، مع استمرار خضوع القرار النهائي للضوابط التنظيمية.

توطين صناعة الدواء وتقليل الاعتماد على الاستيراد

لا يقتصر تأثير منظومة التسعير على العلاقة بين الشركات والأسعار، إذ يرتبط أيضًا بملف توطين صناعة الدواء في مصر. وترى «فيتش سوليوشنز» أن الإطار الجديد يمكن أن يدعم المنتجين المحليين، خصوصًا شركات الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، إلى جانب الشركات التي تستثمر في زيادة المكونات المصنعة محليًا.

وفي المقابل، يظل الاعتماد على المواد الصيدلانية الفعالة المستوردة أحد أبرز التحديات أمام القطاع، مع اعتماد الشركات على مصادر خارجية، من بينها الصين والهند. ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الصرف أو تكاليف الشحن أو اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن ينعكس على تكلفة الإنتاج داخل السوق المصرية.

وتشير القراءة إلى أن تطوير التصنيع المحلي للمواد الفعالة يمكن أن يقلل هذه المخاطر تدريجيًا، إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى استثمارات مستمرة، ونقل للتكنولوجيا، وتحسن واستقرار في بيئة الاقتصاد الكلي.

كما يمثل تعزيز إنتاج المواد الخام محليًا جزءًا من استراتيجية أوسع لتوسيع مفهوم توطين صناعة الدواء، بحيث لا يقتصر التصنيع داخل مصر على إنتاج الجرعات النهائية، وإنما يمتد إلى مراحل أكثر عمقًا في سلسلة الإنتاج.

تسعير الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية

تتضمن المنظومة كذلك قواعد منظمة لتسعير الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، بما يستهدف تحقيق توازن بين تشجيع المنافسة وتوفير بدائل دوائية بتكلفة أقل.

وبحسب التفاصيل الواردة في التقرير، ففي حال عدم وجود منتج مماثل محليًا، يمكن تسعير أول دواء جنيس يدخل السوق عند 70% من سعر المنتج الأصلي، ثم تنخفض النسبة إلى 50% بدءًا من الدواء السادس.

أما البدائل الحيوية، فتبدأ نسبة التسعير عند 80% من سعر المنتج الأصلي للدواء الأول، ثم تصل إلى 60% بدءًا من المنتج السادس، مع مراعاة ارتفاع تكاليف التطوير والتصنيع الخاصة بهذا النوع من المستحضرات.

وتعكس هذه القواعد توجهًا نحو زيادة المنافسة تدريجيًا داخل السوق، مع إتاحة بدائل بأسعار أقل مع زيادة عدد المنتجات المتاحة.

ماذا عن الأدوية الأصلية وبراءات الاختراع؟

في المقابل، تظل الأدوية الأصلية والحاصلة على براءات اختراع أمام مجموعة مختلفة من الضغوط، من بينها القدرة على تحمل التكلفة، والتسعير المرجعي، وسياسات المشتريات الحكومية.

ووفق التقرير، يتم تقييم بعض المنتجات الأصلية الجديدة استنادًا إلى أدنى سعر مصنع في مجموعة من الأسواق المرجعية، بينما تخضع بعض الأدوية مرتفعة التكلفة لإعادة تقييم أكثر تكرارًا، وهو ما يمكن أن يحد من مرونة التسعير بالنسبة لبعض العلاجات المبتكرة.

كما تظل المشتريات الحكومية عاملًا مؤثرًا في السوق، مع أهمية السعر والكميات عند اختيار المنتجات الدوائية، وهو ما يدعم حضور الأدوية الجنيسة ذات التكلفة الأقل.

وفي المقابل، تشير «فيتش سوليوشنز» إلى أن مصر تتمتع بحصة مرتفعة من استخدام الأدوية الجنيسة في سوق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو اتجاه تدعمه القدرة التصنيعية المحلية وضغوط تكلفة العلاج وسياسات المشتريات العامة.

تأثير الإطار الجديد على سوق الدواء

في المجمل، ترى وحدة أبحاث «BMI» أن ربط تسعير الأدوية بمؤشرات مثل سعر الصرف والتضخم والفائدة قد يقلل الفجوة الزمنية بين حدوث الصدمات الاقتصادية وبين مراجعة أسعار بعض المنتجات، وهو ما قد يساعد شركات التصنيع على إدارة تغيرات التكلفة بصورة أكثر مرونة.

لكن تأثير الإطار الجديد لن يظهر دفعة واحدة، إذ يرتبط تطبيقه بالمنتجات التي يتم تسعيرها حديثًا أو إعادة تسعيرها وفق القواعد الجديدة، وليس بالضرورة جميع الأدوية الموجودة حاليًا في السوق في الوقت نفسه.

ويظل التحدي الرئيسي أمام قطاع الدواء هو تحقيق التوازن بين استدامة إنتاج الشركات، واستمرار توافر المستحضرات، والحفاظ على قدرة المواطنين على تحمل تكلفة العلاج. كما أن زيادة التصنيع المحلي للمواد الخام والمكونات الفعالة ستظل عنصرًا أساسيًا في تقليل تعرض الصناعة لتقلبات سعر الصرف وسلاسل الإمداد العالمية.

وبذلك تمثل منظومة تسعير الأدوية الجديدة في مصر تحولًا نحو ربط أكبر بين الأسعار والظروف الاقتصادية، مع استمرار الدور التنظيمي لهيئة الدواء المصرية في مراجعة الأسعار وضبط السوق، إلى جانب توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتعزيز قدرة قطاع الدواء على مواجهة تغيرات التكلفة.