43.6 مليار دولار ومضيق هرمز.. ماذا كشفت حرب إيران عن حدود القوة الأمريكية؟
خرجت الحرب بين إيران والولايات المتحدة عن إطار المواجهة العسكرية المباشرة، لتفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وما إذا كانت واشنطن تتجه إلى تقليص دورها في إدارة النظام الإقليمي، حتى مع استمرار وجودها العسكري وتحالفاتها في المنطقة.
وبحسب قراءة مجلة «الإيكونوميست»، فإن أحد أهم آثار الحرب قد لا يرتبط بنتائج العمليات العسكرية وحدها، وإنما بما كشفته من حدود الدور الأمريكي وقدرة واشنطن على تحمل التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لإدارة أزمات الشرق الأوسط.
من حرب الخليج إلى تراجع الهيمنة الأمريكية
تعود «الإيكونوميست» إلى عام 1991، عندما بدت الولايات المتحدة في موقع يسمح لها بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد حرب الخليج، بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وهزيمة القوات العراقية وإخراجها من الكويت، والتحضير لمؤتمر مدريد للسلام.
ومنذ ذلك الوقت، تولت واشنطن دورًا رئيسيًا في رسم ملامح النظام الإقليمي وحماية توازناته، إلا أن عقودًا من التدخلات العسكرية، خصوصًا في العراق وأفغانستان، أظهرت حدود القدرة الأمريكية على إنتاج نظام إقليمي مستقر.
وتطرح الحرب مع إيران سؤالًا مختلفًا حول مدى استعداد الولايات المتحدة لمواصلة تحمل تكلفة إدارة أزمات المنطقة، في ظل ارتفاع الأعباء العسكرية والمالية واتساع نطاق التحديات الإقليمية.
تكلفة الحرب تكشف حجم العبء الأمريكي
أظهرت الأرقام المنشورة خلال سبتمبر حجم التكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة بسبب الحرب مع إيران، إذ قدرت القيادة المركزية الأمريكية تكلفة العمليات بنحو 43.6 مليار دولار حتى أوائل سبتمبر 2026.
ويشمل هذا الرقم نحو 28 مليار دولار لإعادة تكوين الذخائر التي استُخدمت خلال الحرب، إلى جانب أكثر من 4.3 مليار دولار للمعدات التي فقدت أو تعرضت لأضرار، بينما قدر مكتب الميزانية في الكونجرس تكلفة الحرب بنحو 38 مليار دولار حتى بداية أغسطس، مع توقع إضافة مليارات الدولارات شهريًا بحسب شدة العمليات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تكلفة الحرب لا تقتصر على العمليات العسكرية اليومية، وإنما تمتد إلى إعادة بناء المخزونات وتعويض المعدات ومعالجة الأضرار التي لحقت بالقواعد والمنشآت الأمريكية في المنطقة.
مضيق هرمز يكشف حدود القوة العسكرية
يمثل مضيق هرمز أحد أبرز الملفات التي كشفت تعقيدات الحرب، إذ تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكن إعادة حركة الطاقة والتجارة عبر الممر الاستراتيجي إلى طبيعتها تظل مسألة أكثر تعقيدًا.
وخلال سبتمبر، طرحت إيران إمكانية إعادة فتح المضيق خلال أسبوع، مقابل تخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن موانئها، في إطار مقترح لإنهاء القتال واستئناف المسار الدبلوماسي.
وفي 26 سبتمبر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني، بينما قالت طهران إنها لا تزال تنتظر موقفًا رسميًا عبر الوسطاء المشاركين في الاتصالات.
وتكشف أزمة هرمز أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء تداعيات الحرب الاقتصادية والأمنية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بممر استراتيجي يرتبط بتدفقات الطاقة العالمية.
الحلفاء يعيدون حساباتهم الأمنية
لا يحدث أي تغير محتمل في الدور الأمريكي بمعزل عن حلفاء واشنطن في المنطقة، إذ تدفع التطورات الحالية دول الخليج إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع استمرار علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة.
وأثارت التطورات المرتبطة بالحرب وتوترات البحر الأحمر واليمن نقاشات حول مدى الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، في وقت تعمل فيه دول المنطقة على تنويع علاقاتها وشراكاتها الدولية.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك انتهاء العلاقات العسكرية بين واشنطن وحلفائها، إذ لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قواعد وقدرات جوية وبحرية وشبكة واسعة من الشراكات الأمنية في الشرق الأوسط.
هل تتجه أمريكا إلى الانسحاب من الشرق الأوسط؟
تحتاج عبارة «الانسحاب الأمريكي» إلى قدر من الدقة، إذ لا تشير القراءة المطروحة إلى خروج عسكري أمريكي فوري من المنطقة أو إغلاق القواعد وسحب القوات.
والتغيير المحتمل يتعلق بصورة أكبر بطبيعة الدور الأمريكي، أي الانتقال من محاولة إدارة كل أزمة إقليمية وإعادة ترتيب المنطقة بعد كل حرب، إلى دور يركز على المصالح الاستراتيجية الأساسية دون تحمل المسؤولية الكاملة عن أمن المنطقة.
وتكشف الحرب مع إيران هذه المعادلة بوضوح، إذ تستمر الولايات المتحدة في امتلاك قدرات عسكرية كبيرة، بينما تظهر في الوقت نفسه تكلفة استمرار العمليات واتساع الملفات التي تحتاج إلى إدارة سياسية وأمنية.
شرق أوسط متعدد القوى بدلًا من قوة واحدة
في حال تراجع الدور الأمريكي عن مستوى الهيمنة الذي ارتبط به خلال العقود الماضية، فإن المنطقة لن تنتقل بالضرورة إلى قوة دولية واحدة تحل محل واشنطن.
وتحتفظ الصين بنفوذ اقتصادي واسع، بينما تستمر روسيا في امتلاك حضور إقليمي، في حين تعمل دول الخليج على تطوير علاقات متعددة مع القوى الدولية والإقليمية، بما يسمح لها بتنويع خياراتها الأمنية والاقتصادية.
ويعني ذلك أن الشرق الأوسط قد يتجه بصورة أكبر إلى نظام متعدد الأطراف، تتداخل فيه مصالح الدول الإقليمية والقوى الدولية، بدلًا من وجود قوة واحدة تمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة في مختلف الملفات.
هرمز وباب المندب في قلب إعادة توزيع القوة
تزداد أهمية هذه التحولات مع استمرار الضغوط على الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، اللذان يرتبطان بحركة الطاقة والتجارة العالمية.
كما أن اتساع نطاق التوترات في اليمن والعراق يضيف أبعادًا جديدة إلى الحسابات الأمنية في المنطقة، ويجعل حماية طرق التجارة والطاقة جزءًا أساسيًا من أي تصور مستقبلي للأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المطروح ليس فقط حول حجم القوة الأمريكية الموجودة في المنطقة، وإنما حول طبيعة المهام التي ستتولى واشنطن تنفيذها، والحدود التي ستضعها لتدخلها في أزمات الشرق الأوسط.
حرب إيران قد تكون نقطة تحول في النظام الإقليمي
وفق القراءة التي تطرحها «الإيكونوميست»، فإن أهمية حرب إيران تتجاوز نتائج العمليات العسكرية المباشرة، لأنها قد تكشف انتقال المنطقة إلى مرحلة مختلفة في توزيع المسؤوليات الأمنية والتحالفات.
ولا يعني ذلك اختفاء الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وإنما احتمال تغير وظيفتها من القوة التي تتولى إدارة النظام الإقليمي بصورة واسعة إلى قوة كبرى تركز على مصالحها الاستراتيجية الأساسية، مع تحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها وشراكاتها وصراعاتها.
وبذلك، قد تصبح الحرب الحالية واحدة من المحطات التي تعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين واشنطن والشرق الأوسط، خصوصًا إذا استمرت تكلفة التدخل العسكري في الارتفاع، وتزايدت قدرة القوى الإقليمية على بناء ترتيبات أمنية وعلاقات دولية أكثر تنوعًا.