خبير قانوني: ارتفاع رسوم التقاضي عن بعد يثير شبهة «تسليع العدالة» ويهدد حق البسطاء في اللجوء للقضاء
قال الخبير القانوني محمد حامد سالم، المحامي بالنقض والدستورية العليا، إن مسألة فرض رسوم على إجراءات التقاضي عن بُعد تستلزم تناولها بقدر من الموضوعية والإنصاف، في ضوء ما تنطوي عليه من جوانب إيجابية وأخرى سلبية، مع ضرورة مراعاة الضمانات الدستورية المرتبطة بحق المواطنين في اللجوء إلى القضاء.
مجانية الوصول إلى العدالة وحق الدفاع
وأوضح سالم، في تصريحات خاصة لـ«الرئيس نيوز»، أن المادة 38 من الدستور المصري نصت صراحة على أنه: «لا يجوز تكليف أي شخص بأداء ضرائب أو رسوم إلا في حدود القانون»، فيما كفل الدستور في المادتين 97 و98 مجانية الوصول إلى العدالة وحق الدفاع، سواء أصالة أو بالوكالة، بما يستوجب أن تظل أي رسوم مرتبطة بإجراءات التقاضي في إطار لا يمثل عائقًا أمام ممارسة الحق في اللجوء إلى القضاء.
وأضاف أن الجانب الإيجابي للتقاضي عن بُعد يتمثل في إمكانية القضاء على بعض صور التعطيل والإكراميات غير الرسمية داخل أروقة المحاكم، إذ يمكن أن يساهم السداد الإلكتروني المباشر في إنهاء ظاهرة «البقشيش» أو «الإكراميات» التي قد يلجأ إليها البعض لتسهيل بعض المعاملات أو توفير الوقت والجهد، فضلًا عن تقليل العبء البدني والإجرائي على المتقاضين والمحامين.
تسهيل الوصول إلى إجراءات التقاضي
وأشار الخبير القانوني إلى أن تطبيق منظومة التقاضي عن بُعد يمكن أن يعفي المحامين والمتقاضين من عناء السفر والانتقال بين المحافظات لحضور بعض الجلسات، بما يوفر الوقت والتكاليف، ويساهم في تسهيل الوصول إلى إجراءات التقاضي، خصوصًا في القضايا التي لا تستلزم بطبيعتها الحضور المادي أمام المحكمة في كل إجراء.
وأكد سالم أن الميكنة القضائية، حال تطبيقها بصورة صحيحة ومتكاملة، يمكن أن تكون أحد العوامل المهمة في تحقيق العدالة الناجزة، لا سيما من خلال استخدام الوسائل الإلكترونية والرسائل النصية الفورية لإخطار أطراف الخصومة بمواعيد الجلسات والإجراءات، وهو ما قد يساهم في تسريع وتيرة الفصل في القضايا، خصوصًا مع وجود تكدس في بعض دوائر الجنح والجنايات.
تسليع العدالة
وفي المقابل، حذر سالم من أن ارتفاع رسوم التقاضي عن بُعد أو تحميل المواطن والمحامي أعباء مالية إضافية قد يثير شبهة «تسليع العدالة»، من خلال تحويل مرفق القضاء، باعتباره مرفقًا عامًا وخدميًا، إلى منظومة يغلب عليها الطابع الاستثماري أو السعي لتحقيق إيرادات، بما قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطنين.
وتابع أن خطورة ذلك تكمن في أن ارتفاع التكاليف والرسوم قد يدفع بعض المواطنين، خاصة البسطاء ومحدودي الدخل، إلى العزوف عن اللجوء إلى المحاكم، والبحث عن وسائل بديلة لاقتضاء الحقوق، سواء من خلال الجلسات العرفية أو غيرها من الوسائل، وهو ما قد يفتح الباب أمام مخاطر أكبر تتمثل في محاولة البعض اقتضاء حقوقهم بأنفسهم بدلًا من اللجوء إلى مؤسسات الدولة والقضاء.
وشدد الخبير القانوني على أن الانتقال من منظومة التقاضي اليدوية إلى منظومة إلكترونية بصورة مفاجئة يمثل تحديًا حقيقيًا أمام قطاع كبير من المحامين، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بتوفير منصة إلكترونية، وإنما يحتاج كذلك إلى بنية تكنولوجية مناسبة وتدريب وإلمام كافٍ بالتقنيات الحديثة.
ولفت إلى أن غالبية المحامين تحتاج إلى فترة انتقالية مناسبة للتعامل مع هذه المنظومة، خاصة أن هناك تفاوتًا في الإمكانيات المادية والقدرات التقنية، وبالتالي فإن فرض رسوم إضافية بالتزامن مع الانتقال إلى التقاضي الإلكتروني قد يمثل عبئًا مضاعفًا على بعض المحامين والمتقاضين.
وحذر سالم، في الوقت نفسه، من المخاطر القانونية المترتبة على حدوث أعطال فنية في منظومة التقاضي عن بُعد، أو انقطاع البث أثناء انعقاد الجلسات، خصوصًا في القضايا الجنائية، مؤكدًا أن أي خلل تقني قد تكون له انعكاسات مباشرة على سلامة الإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة.
وضع ضوابط دقيقة للتعامل مع الأعطال الفنية
وأضاف أن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بحقوق متهمين في القضايا الجنائية، إذ إن انقطاع الاتصال أو عدم وضوح الصوت أو الصورة أو تعذر حضور أحد أطراف الدعوى إلكترونيًا قد يؤثر في ممارسة حق الدفاع أو متابعة إجراءات المحاكمة، ومن ثم يجب وضع ضوابط دقيقة للتعامل مع الأعطال الفنية، بحيث لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتيسير العدالة إلى سبب في المساس بضماناتها.
وأكد سالم أن نجاح تجربة التقاضي عن بُعد يتطلب تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي وبين الحفاظ على الطبيعة الخدمية لمرفق القضاء، بحيث تكون الميكنة وسيلة لتسهيل الوصول إلى العدالة وتسريع إجراءاتها، وليس وسيلة لزيادة كلفة التقاضي أو وضع حواجز جديدة أمام المواطنين والمحامين.