تحت السطح.. كواليس توتر العلاقات الدفاعية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين
كشف تحليل للمعهد الملكي البريطاني، تشاتام هاوس، أن مسؤولين أمريكيين حذروا سرًا عدة حلفاء أوروبيين من أن طلبياتهم لدى شركات الدفاع الأمريكية ستتأخر على الأرجح، إذ تعطي واشنطن الأولوية لإعادة تجهيز مخزونها العسكري الخاص عقب الحرب على إيران.
ومن بين الدول المتأثرة بهذا التحذير، وفق المعهد، المملكة المتحدة وبولندا وليتوانيا وإستونيا وألمانيا، وهي دول تجد نفسها في موقف صعب بالنظر إلى مخاوفها القائمة أصلًا من التهديد الروسي المحتمل.
ويصف التقرير عام 2026 بأنه كان أكثر صعوبة على العلاقة عبر الأطلسية من عام 2025 نفسه، رغم أن الأخير لم يكن سهلًا بدوره.
من "جرينلاند" إلى انسحاب القوات
ووثق تقرير لمجموعة الأزمات الدولية أن الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 شهدت ما يعادل حجم صدمات عقد كامل بالنسبة للنظام الأمني الأوروبي والعالمي، مع تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التشكك في التدخلات الخارجية إلى تبني صريح للتدخل العسكري المباشر.
ويشير التقرير إلى أن التهديدات الأمريكية المربكة تجاه جرينلاند صدمت من لم يكونوا يتصورون أن واشنطن قد تدير ظهرها فعليًا لحلف الناتو، فيما باتت أوروبا أكثر حذرًا تجاه نوايا واشنطن، التي تنظر إليها اليوم كحليف غير موثوق وقصير الذاكرة.
هذا القلق تفاقم مع إعلانات أمريكية عن خطط لخفض عدد القوات والمعدات المنتشرة في أوروبا؛ إذ يوضح تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي أن ترامب صعد انتقاداته العلنية لحلف الناتو في مارس 2026، بعدما رفض حلفاء أوروبيون طلبه المساعدة في حماية خطوط الشحن عبر مضيق هرمز أثناء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
الجناح الشرقي يطالب بقواعد دائمة لا دورية
وبحسب تحليل لمركز "جلوبسيك" السلوفاكي، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صراحة في اجتماع لوزراء خارجية الناتو بالسويد أواخر مايو 2026 أن عدد القوات الأمريكية في أوروبا "سينخفض في نهاية المطاف عن مستوياته التاريخية"، في وقت طالبت فيه وارسو بشكل حثيث بقواعد أمريكية دائمة بدلًا من الترتيبات الدورية القابلة للإلغاء بطبيعتها.
وأكد القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا الجنرال أليكسوس جرينكيفيتش، في تصريحات من بروكسل، أن مزيدًا من الانسحابات ينبغي توقعها مع تعزز ما وصفه بـ"الركيزة الأوروبية" داخل الحلف، بعد تأكيد إلغاء تناوب لواء مدرع أمريكي كامل يضم أكثر من 4 آلاف جندي وكتيبة نيران بعيدة المدى.
الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية.. الأولوية للصين لا لأوروبا
في المقابل، يرى تحليل رأي نشرته شبكة "فوكس نيوز" أن جذور هذا التحول لا تكمن في شخصية ترامب المتقلبة كما يشاع في العواصم الأوروبية، بل في استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 ذاتها، التي تنص صراحة على أن الأولويات الأمريكية تتحول نحو الدفاع عن الداخل وردع الصين، مع مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم الخاص.
ويحدد هذا التحليل التسلسل الجديد للأولويات الأمريكية بأربع نقاط: الدفاع عن الوطن، ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء، وإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.
ثقة متآكلة.. 20% من الأوروبيين يرون أمريكا "تهديدًا"
تعكس استطلاعات الرأي حجم التصدع في نظرة الأوروبيين تجاه حليفهم التقليدي؛ فبحسب تحليل نشره موقع "جاست سكيوريتي"، بات نحو خُمس المستطلعين في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا يعتبرون الولايات المتحدة "تهديدًا رئيسيًا" لأمنهم.
وتفاقم هذا الشعور مع تصويت واشنطن ضد حلفائها الأوروبيين وأوكرانيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، منحازة إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا، بذريعة الحفاظ على دور وسيط أمريكي محايد.
وبحسب تحليل آخر متخصص في الشؤون الأوروبية، لم تتجاوز نسبة من يعتبرون الولايات المتحدة حليفًا فعليًا 16 بالمئة من مواطني الاتحاد الأوروبي مطلع عام 2026.
قمة أنقرة.. تشققات عميقة تحت السطح
رغم الثقة والوحدة المعلنتين في ختام قمة الناتو التي عقدت في أنقرة في يوليو الماضي، يشير الخبراء إلى أن صورة مختلفة تمامًا تكمن خلف الكواليس، حيث امتنعت دول أوروبية كبرى -من بينها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا- عن إبداء أي استعداد حقيقي للانخراط المباشر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رغم توقعات واشنطن.
ومن منظور إسبانيا تحديدًا، فإن معارضتها لا تتعلق فقط بأهداف الإنفاق الدفاعي التي تراها تعسفية، بل تعكس أيضًا توترات سياسية أعمق مع واشنطن حول ملف إيران والدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وأكد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن الحلف "على أعتاب" ثورة صناعية دفاعية عبر الأطلسية، لكن هذه العبارات الطموحة لم تقترن بقرارات فعلية بالحجم نفسه.
وكشف هذا المزيج من التحذيرات السرية بشأن السلاح، وتراجع الثقة الشعبية، والانقسامات حول ملف إيران، عن أزمة بنيوية عميقة في العلاقة عبر الأطلسية تتجاوز مجرد الخلافات التكتيكية المعتادة.
فبينما تصر واشنطن على أن حلفاءها الأوروبيين يجب أن يتحملوا عبئا أكبر من دفاعهم الذاتي، يبدو أن هذا المطلب يتزامن مع تقليص فعلي للقدرات الأمريكية المنتشرة في القارة بدلا من أن يأتي بالتوازي معه أو بعده، وهو ما يترك الحلفاء الأوروبيين في موقف يوصف بأنه أشبه بالتناقض الاستراتيجي.