< ترامب يصعّد بشأن مضيق هرمز.. هل تستطيع أمريكا تحويله إلى «أرض أمريكية»؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

ترامب يصعّد بشأن مضيق هرمز.. هل تستطيع أمريكا تحويله إلى «أرض أمريكية»؟

مضيق هرمز
مضيق هرمز

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح ملف مضيق هرمز بتصريح غير مسبوق، عندما قال إنه سيعلن المضيق "أرضًا أمريكية"  بعد انتهاء الحرب مع إيران. وجاء التصريح بعدما أعلن قبل أيام أن الولايات المتحدة تملك سيطرة كاملة على الممر الاستراتيجي، في وقت تراجعت فيه حركة السفن عبره إلى مستويات شديدة الانخفاض.

لكن السيطرة العسكرية على مضيق هرمز، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية، لا تعني امتلاك السيادة عليه، وإعلان الرئيس الأمريكي وحده لا يكفي لتحويل ممر بحري دولي إلى إقليم تابع للولايات المتحدة.

السيطرة لا تعني السيادة

مضيق هرمز يقع بين إيران وسلطنة عُمان، وتخضع مياهه لنظام قانوني خاص بالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن النظام الخاص بالملاحة عبر هذه المضائق لا يلغي سيادة الدول المطلة عليها أو اختصاصها على مياهها ومجالها الجوي وقاعها وباطن أرضها. كما تقر الاتفاقية حق السفن والطائرات في المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

 

وبالتالي، حتى إذا تمكنت البحرية الأمريكية من فرض سيطرة فعلية على حركة السفن، فإن ذلك لا ينقل تلقائيًا السيادة القانونية إلى واشنطن. وهذا التفريق أصبح مهمًا بصورة خاصة بعدما قال ترامب إن الولايات المتحدة تفرض حصارًا بحريًا، وإن السفن لا تمر إلا إذا سمحت لها واشنطن. 

لكن بيانات الملاحة التي نقلتها منصة جيه كابتن أظهرت أن حركة الشحن عبر المضيق تراجعت بشدة، مع مرور خمس سفن تجارية فقط يوم السبت وعدم تسجيل أي عبور تجاري يوم الأحد، مقارنة بعشرات السفن في الأسبوع السابق.

 

هل يملك ترامب صلاحية ضم أراضي لأمريكا؟

ووفقا لموقع مكتبة الكونجرس على الويب، فحتى داخل النظام الدستوري الأمريكي، مسألة اكتساب أراضٍ جديدة ليست صلاحية رئاسية مطلقة. وتوضح دراسة حديثة لخدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي أن الدستور لا يحدد إجراءً واحدًا لاكتساب الأراضي، لكن التاريخ الأمريكي يثبت الدور المهم للكونغرس. فقد تمت عمليات توسع كبرى من خلال معاهدات تفاوضت عليها السلطة التنفيذية ووافق عليها مجلس الشيوخ، كما استُخدمت تشريعات وقرارات مشتركة في حالات أخرى.

 

وفي صفقة ألاسكا، مثلًا، تفاوضت الإدارة الأمريكية مع روسيا على شراء الإقليم، ثم وافق مجلس الشيوخ على المعاهدة قبل انتقال السيادة إلى الولايات المتحدة. وتكرر نموذج مشابه في صفقة شراء لويزيانا.

 

وتشير خدمة أبحاث الكونجرس إلى أن الكونجرس لعب دورًا بارزًا في عمليات اكتساب الأراضي الأمريكية، كما يملك بعد اكتساب الإقليم سلطة واسعة على تنظيمه وإدارته. لذلك فإن إعلانًا منفردًا من البيت الأبيض لا يشبه قانونًا أو معاهدة تنقل السيادة من دولة إلى أخرى.

 

هرمز ليس أرضًا بلا صاحب

وتعد المشكلة القانونية والسياسية أكبر في حالة هرمز، لأن واشنطن لا تتعامل مع أرض غير مأهولة أو منطقة متنازع عليها يمكنها إعلانها ملكًا لها.

 

تقع إيران وعمان كدولتين ساحليتين للمضيق، بينما يرتبط وضع الملاحة فيه بقواعد القانون الدولي للبحار. وتنص الأمم المتحدة على أن الدول المطلة على المضائق تمارس سيادتها واختصاصها، مع خضوع هذه الصلاحيات لقواعد المرور الدولي.

 

ولهذا فإن إعلان ترامب لن يغير الوضع القانوني للمضيق من تلقاء نفسه، ما لم يحدث انتقال فعلي للسيادة من خلال تسوية دولية مع الأطراف المعنية، أو نتيجة ترتيبات أخرى يعترف بها القانون الدولي.

 

لماذا يكتسب هرمز أهمية لدى واشنطن؟

ترجح صحيفة الجارديان أن القضية تتجاوز الرمزية السياسية. فمضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وكانت تمر عبره قبل الأزمة نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وأدى اضطراب الملاحة خلال الحرب إلى ارتفاع مخاطر الشحن والتأمين، بينما بدأت شركات الطاقة في البحث عن طرق بديلة لنقل الإمدادات.

 

وتحاول إيران وسلطنة عمان في الوقت نفسه التوصل إلى ترتيبات لإعادة حركة التجارة، بينما تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها في إدارة الملاحة ورفض أي صيغة تمنح طهران سلطة منفردة على حركة السفن. وكانت رويترز قد نقلت في أغسطس عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين وجود مفاوضات بشأن ترتيبات إعادة فتح المضيق.

 

من السيطرة إلى الاحتلال؟

يمكن للولايات المتحدة، من الناحية العسكرية، فرض وجود بحري قوي في المنطقة، ومرافقة السفن، واعتراض بعضها، وفرض مناطق حظر أو حصار وفق الظروف القانونية والعسكرية للنزاع. لكن هذه الإجراءات لا تساوي بالضرورة اكتساب السيادة.

 

وأشارت صحيفة فايننشيال تايمز إلى أن السيطرة العسكرية المؤقتة شيء، وامتلاك الإقليم قانونيًا شيء آخر. وحتى في حالة امتلاك قوة عسكرية القدرة على فرض واقع ميداني، فإن تحويل هذا الواقع إلى سيادة دائمة يظل مرتبطًا بالقانون الدولي والاعتراف السياسي والإجراءات الدستورية داخل الدولة التي تدعي اكتساب الإقليم.

 

وقد رفضت إيران بالفعل تصريحات ترامب، مؤكدة أن المضيق سيظل إيرانيًا، فيما وصف مسؤولون إيرانيون فكرة الاستيلاء عليه بأنها غير قابلة للتحقق بمجرد إعلان سياسي أو قوة عسكرية.

 

المعركة الحقيقية على هرمز

تبدو عبارة "أرض أمريكية" أقرب في الوقت الراهن إلى إعلان سياسي عن طموح واشنطن للسيطرة طويلة الأمد على أهم ممرات الطاقة، وليس قرارًا قانونيًا يمكن للرئيس تنفيذه منفردًا. فالولايات المتحدة تستطيع استخدام قوتها العسكرية للتأثير في حركة الملاحة، لكنها لا تستطيع بمجرد تصريح رئاسي تغيير سيادة مضيق يقع بين إيران وعمان.

 

والأهم أن التطورات الحالية أظهرت أن المعركة حول هرمز لا تتعلق بالسيادة فقط، بل بمن يحدد شروط المرور، ومن يملك القدرة على حماية السفن أو منعها، ومن يتحمل تكلفة تعطيل واحد من أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.

 

وفي ظل استمرار الحرب والتوتر بين واشنطن وطهران، أصبح مضيق هرمز ورقة عسكرية واقتصادية وسياسية في آن واحد. أما تحويله رسميًا إلى أرض أمريكية، فيحتاج إلى مسار قانوني ودولي مختلف تمامًا عن مجرد إعلان يصدر من البيت الأبيض.