< مؤامرة جديدة على مياه النيل.. لماذا قررت إثيوبيا تفعيل ما يسمى «اتفاق عنتيبي»؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مؤامرة جديدة على مياه النيل.. لماذا قررت إثيوبيا تفعيل ما يسمى «اتفاق عنتيبي»؟

الرئيس نيوز

عاد ملف سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا على مياه النيل الأزرق إلى الواجهة مجددا، إذ تسعى إثيوبيا إلى استخدامه كورقة ضغط على القاهرة، فضلا عن مخططات خبيثة تتمثل في إعادة توزيع حصص المياه على دول حوض النيل، وهو الأمر الذي ترفضه القاهرة جملة وتفصيلا.

يقول مراقبون إن إديس أبابا تسعى إلى فرض سياسة الأمر الواقع ببناء سدود على مجرى النيل، فضلا عن محاولات إضفاء صبغة قانونية بمحاولة تمرير ما يسمى "اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل" أو ما يسمى اتفاق عنتيبي.

اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، تحدث عما أسماه "اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل" التي زعم أنها دخلت حيز التنفيذ منذ أيام، موضحا أنها "ستعترف بالحقوق القانونية لجميع دول حوض النيل وتجعلها خاضعة للتوزيع العادل والاستخدام المستدام للمياه"، بحسب ما نقلت عنه وكالة "إينا" الإثيوبية الرسمية للأنباء.

أضاف الوزير في بيان أن اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل دخلت حيز التنفيذ رسميًا اعتبارًا من الثلاثاء الماضي، واصفا ذلك بـ"الإنجاز التاريخي والناجح".

أوضح وزير المياه الإثيوبي أن تنفيذ اتفاقية التعاون لنهر النيل "سيمكن من إنشاء لجنة حوض نهر النيل التي ستكون مسؤولة عن إدارة وحماية نهر النيل لصالح الجميع وتكون بمثابة حجر الزاوية للتعاون"، طبقا لما أوردت وكالة "إينا".

وأردف هابتامو أن الاتفاقية هي "إطار قانوني مشترك للدول المتشاطئة، وشهادة على التزامها المشترك باستخدام نهر النيل لصالح الجميع، وتؤكد الحق في استخدام موارد المياه بالتساوي والعدالة".

 تصريحات إثيوبيا حاليا تسقط الادعاءات بأن هدفها التنمية

مصدر مصري مسؤول قال لموقع العربية إن تصريحات إثيوبيا حاليا تسقط الادعاءات بأن هدفها التنمية.

ووفق مراقبون فإن إثيوبيا لجأت لهذه التصريحات في ذلك الوقت مع اشتداد صراعها مع جبهة تيجراي وإريتريا، إذ دأبت أديس أبابا على الادعاء كذبا بأن طرفا ثالثا هو من يحرض هاتان الجبهتان في إشارة إلى مصر. 

ترفض مصر والسودان قطعيان التوقيع على هذه الاتفاقية وتتمسك الدولتان بحصصهما التاريخية في مياه النيل. 

اللافت للنظر أن إثيوبيا لا تعاني من نقص من المياه، وجميع دول حوض النيل، وأن جميع مساعي إثيوبيا تتلخص في محاولات انتزاع حصة مصر من مياه النيل للضغط عليها.

يشكل سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، محور نزاع طويل بين الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، بعدما أخفقت جولات متعاقبة من المفاوضات في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن قواعد ملء السد وتشغيله.

وأشار وزير المياه الإثيوبي إلى أن "الاتفاقية ستصحح التفاوتات القائمة في استخدام مياه النيل من خلال ضمان الموارد المشتركة لجميع دول النيل"، موضحا أن "الاتفاقية ستعترف بالحقوق القانونية لجميع دول حوض النيل، وتجعلها خاضعة للتوزيع العادل والاستخدام المستدام للمياه، دون انتهاك حقوق الآخرين"، حسب تعبيره، مشيرا إلى أن الاتفاقية تلزم الجميع بحماية النيل وبيئته، واستخدام المياه بطريقة لا تضر بالمستخدمين في المستقبل.

وتعتبر إثيوبيا، ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان في القارة السمراء، ويبلغ 120 مليون نسمة، أن السد الإثيوبي الكبير، الذي تبلغ تكلفته 5 مليارات دولار، على النيل الأزرق، أهم روافد نهر النيل، ضروري ومحوري في طموحاتها للتنمية الاقتصادية، وبدأ العمل عليه عام 2011، حيث من المتوقع أن يزيد توليد الطاقة من السد في نهاية المطاف إلى 5150 ميغاوات، من 750 ميغاوات التي تنتجها توربيناته النشطة بالفعل.

مصر تعارض السد الإثيوبي

عارضت مصر تشييد السد بشدة منذ البداية، وأكدت أنه ينتهك معاهدات المياه التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية ويشكل تهديدا وجوديا، إذ تعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 108 ملايين نسمة، على نهر النيل في حوالي 90% من مياهها العذبة.

وانضم السودان إلى دعوات مصر لإبرام اتفاقيات ملزمة قانونا بشأن ملء السد وتشغيله، ولكنه قد يستفيد أيضا من تحسين إدارة الفيضانات والحصول على طاقة رخيصة.

وحظي موقف القاهرة بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايتيه الأولى والثانية. وكان ترامب قال إن "الوضع خطير، وإن القاهرة قد ينتهي بها الأمر لتفجير ذلك السد"، لكن إدارته فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن المشروع، حيث لم تُسفر سنوات من المحادثات بشأنه عن أي اتفاق.

وتكتسب تصريحات إيتيفا أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، في ظل رفض القاهرة الانضمام إلى اتفاقية الإطار التعاوني، الذي استوفى نصابه القانوني في أكتوبر 2024 المطلوب من الدول التي صدقت عليه، وأعلن الوزير الإثيوبي أنه دخل حيز التنفيذ قبل أيام، حيث تضم الدول المشاركة في الاتفاقية عددا من دول المنبع بينما لا تزال مصر والسودان خارج الإطار.

وتكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الاتفاقية بالنسبة إلى القاهرة في أنها تقوم على مبدأ "الاستخدام العادل والمعقول" لمياه النيل، بدلا من تحديد حصص مائية رقمية جديدة للدول، حيث ترى مصر أن أي ترتيبات جديدة لإدارة النهر يجب ألا تنتقص من حقوقها ومصالحها المائية القائمة.

مفوضية حوض نهر النيل

لا تقتصر أهمية الاتفاقية على الجانب النظري إذ تمهد لإنشاء "مفوضية حوض نهر النيل" باعتبارها إطارا مؤسسيا للتعاون بين الدول المشاركة، وهو ما تعتبره إثيوبيا خطوة باتجاه إقامة نظام إقليمي جديد لإدارة الموارد المائية المشتركة.

تدفع أديس أبابا منذ سنوات باتجاه هذا الإطار باعتباره وسيلة لتحقيق ما تصفه بالاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل، بينما ترى القاهرة أن أي نظام لإدارة النهر يجب أن يحظى بتوافق جميع دول الحوض، وألا يتحول إلى آلية لفرض ترتيبات مائية على الدول غير المنضمة إليه.

تأتي تصريحات الوزير الإثيوبي في وقت لا تزال فيه قضية سد النهضة تمثل جوهر الخلاف بين مصر وإثيوبيا، حيث شيدت أديس أبابا السد على النيل الأزرق أحد أهم روافد النيل، باعتباره مشروعا استراتيجيا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية، بينما تطالب القاهرة باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيله والتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد.

الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا

تنظر مصر إلى أمنها المائي باعتباره قضية وجودية، في ظل اعتمادها بصورة أساسية على نهر النيل لتوفير احتياجاتها من المياه، ولذلك تتمسك بضرورة عدم اتخاذ إجراءات أحادية على النهر من شأنها التأثير في تدفقاته إلى دولتي المصب.

وفي المقابل ترى إثيوبيا أن دول المنبع تمتلك حقوقا في استخدام موارد النهر لأغراض التنمية، وأن الاتفاقية الجديدة توفر الأساس القانوني لهذا الاستخدام، وهو ما يجعل الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا يتجاوز السد الإثيوبي إلى صراع أوسع حول قواعد إدارة مياه النيل ومن يملك حق صياغة هذه القواعد مستقبلا.