< كيف تتشكل قشرة الأرض؟.. اكتشاف علمي غير مسبوق يجيب
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف تتشكل قشرة الأرض؟.. اكتشاف علمي غير مسبوق يجيب

كيف تتشكل قشرة الأرض؟..
كيف تتشكل قشرة الأرض؟.. تعبيرية

في إنجاز علمي وصفه الباحثون بأنه أحد أهم الاكتشافات في علوم الأرض خلال العقود الأخيرة، نجح فريق دولي من العلماء في رصد عملية تشكل قشرة محيطية جديدة لأول مرة أثناء حدوثها فعليًا، وذلك في أعماق المحيط الهندي، حيث سجلت أجهزة الرصد جميع المراحل التي مرت بها العملية الجيولوجية منذ بداية النشاط الزلزالي وحتى خروج الحمم البركانية وتكوين طبقة جديدة من قاع المحيط.

ويمثل هذا الاكتشاف نقطة تحول في فهم الكيفية التي يعيد بها كوكب الأرض تشكيل سطحه باستمرار، إذ اعتمد العلماء لعشرات السنين على الأدلة غير المباشرة والنماذج النظرية لدراسة تكوين القشرة الأرضية، قبل أن يتمكنوا أخيرًا من توثيق الحدث بشكل مباشر باستخدام أحدث تقنيات الرصد البحري.

كيف بدأت القصة؟

بدأت القصة في منطقة نائية للغاية بالقرب من جزيرة أمستردام الفرنسية الواقعة جنوب المحيط الهندي، وهي منطقة تقع عند التقاء الحيد المحيطي الفاصل بين الصفيحة الأسترالية والصفيحة القطبية الجنوبية، وتعد من أكثر المناطق نشاطًا من الناحية الجيولوجية بسبب استمرار حركة الصفائح التكتونية والنشاط البركاني في أعماق البحار.

واختار العلماء هذا الموقع بعد سنوات من الدراسات، لأنه يمثل مختبرًا طبيعيًا مثاليًا لمراقبة الظواهر الجيولوجية التي يصعب الوصول إليها في أماكن أخرى، خاصة عمليات تمدد قاع البحر وخروج الصهارة من باطن الأرض.

مرصد في أعماق البحر

في فبراير 2024 نشر فريق البحث مرصدًا بحريًا متطورًا في قاع المحيط، مزودًا بخمسة أجهزة هيدروفون فائقة الحساسية، صممت خصيصًا لرصد الزلازل الدقيقة، والذبذبات الأرضية، والأصوات الناتجة عن النشاط البركاني في أعماق البحار.

وكان الهدف من هذا المرصد مراقبة المنطقة بصورة مستمرة على مدار الساعة، أملًا في تسجيل أي نشاط جيولوجي قد يساعد العلماء على فهم الآليات الداخلية لحركة الصفائح الأرضية، دون أن يتوقع الفريق أن يشهد حدثًا تاريخيًا بهذه السرعة.

بعد أقل من شهرين فقط من تشغيل أجهزة الرصد، بدأت المعدات في تسجيل إشارات زلزالية غير معتادة، تبعتها سلسلة متواصلة من الاهتزازات التي أثارت اهتمام الباحثين، قبل أن يتأكدوا أن المنطقة تشهد بداية حدث جيولوجي نادر لم يسبق رصده بهذه الدقة.

وأظهرت البيانات أن النشاط لم يكن مجرد زلزال عابر، بل كان بداية لعملية جيولوجية معقدة مرتبطة بحركة الصهارة داخل القشرة الأرضية.

زلازل وهبوط مفاجئ

في مساء السادس والعشرين من أبريل 2024 شهدت المنطقة سلسلة من الزلازل المتتابعة، تزامنت مع هبوط مفاجئ لقاع البحر بلغ نحو 4.2 متر خلال أيام قليلة، بينما وقع الجزء الأكبر من هذا التغير خلال أقل من أربعين دقيقة فقط، وهو ما اعتبره العلماء مؤشرًا استثنائيًا على حدوث تغير كبير داخل باطن الأرض.

ورجحت الدراسة أن السبب لم يكن انهيارًا صخريًا أو انزلاقًا أرضيًا كما قد يحدث في بعض المناطق، وإنما تفريغ خزان ضخم من الصهارة يقع على عمق يقارب 3.6 كيلومتر أسفل القشرة الأرضية، حيث اندفعت الصخور المنصهرة عبر الشقوق نحو سطح قاع البحر.

ماذا حدث تحت القشرة؟

عندما اندفعت الصهارة إلى أعلى، فرغ جزء كبير من الخزان الموجود في الأعماق، وهو ما أدى إلى هبوط الطبقات الصخرية التي كانت تعلوه، وهي الظاهرة التي رصدتها أجهزة القياس بدقة غير مسبوقة.

ويعد هذا التسلسل الزمني من الأدلة القوية التي تؤكد لأول مرة كيف تتحرك الصهارة داخل الأرض، وكيف تؤثر مباشرة في تضاريس قاع المحيط.

الحمم البركانية تصل إلى القاع

لم تقتصر الأدلة على النشاط الزلزالي فقط، فقد سجلت أجهزة الرصد ارتفاعًا واضحًا في درجة حرارة مياه البحر بعد دقائق من الهبوط الكبير، وهو ما اعتبره العلماء دليلًا مباشرًا على وصول الحمم البركانية إلى سطح قاع المحيط.

وبمجرد خروج الحمم وملامستها للمياه الباردة، بدأت في التصلب بسرعة كبيرة، مكونة طبقة جديدة من الصخور البركانية التي أصبحت جزءًا من القشرة المحيطية الجديدة.

كيف تتشكل القشرة المحيطية؟

تعرف هذه العملية علميًا باسم تمدد قاع البحر، وهي ظاهرة تحدث عندما تبتعد الصفائح التكتونية عن بعضها البعض، فينشأ فراغ يسمح بخروج الصهارة من باطن الأرض، ثم تبرد هذه الصهارة وتتحول إلى صخور صلبة تشكل قشرة جديدة تدفع القشرة الأقدم بعيدًا عن مركز الحيد المحيطي.

ورغم أن هذه العملية مسؤولة عن تكوين معظم قاع المحيطات على سطح الأرض منذ مئات الملايين من السنين، فإن العلماء لم يتمكنوا من رصدها بشكل مباشر من قبل بسبب وقوعها على أعماق هائلة يصعب الوصول إليها.

اعتمد علماء الجيولوجيا طوال العقود الماضية على أعمار الصخور، والقياسات المغناطيسية، وتحليل الرواسب البحرية لإثبات نظرية تكون القشرة المحيطية، إلا أن جميع هذه الأدلة كانت غير مباشرة.

أما الدراسة الجديدة فقد قدمت أول توثيق مباشر للحظة ميلاد قشرة محيطية جديدة، وهو ما يمنح العلماء دليلًا عمليًا يدعم واحدة من أهم النظريات في علوم الأرض الحديثة.

يرى الباحثون أن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على تأكيد النظريات العلمية، بل تمتد إلى تحسين فهم النشاط البركاني والزلازل التي تنشأ عند حدود الصفائح التكتونية، وهو ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ ببعض الظواهر الجيولوجية.

كما أن البيانات التي جُمعت خلال هذه العملية ستساعد على دراسة حركة الصهارة، وتطور القشرة الأرضية، وآليات تشكل قاع المحيطات بصورة لم تكن ممكنة في السابق.

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام مرحلة جديدة من الدراسات الجيولوجية، حيث يسعى العلماء إلى نشر المزيد من المراصد البحرية في مناطق النشاط التكتوني حول العالم، بهدف مراقبة عمليات مماثلة، وفهم كيفية تغير سطح الأرض باستمرار.

ويؤكد الباحثون أن كوكب الأرض لا يزال في حالة نشاط دائم، وأن ما يحدث في أعماق البحار بعيدًا عن أعين البشر يمثل جزءًا أساسيًا من دورة الحياة الجيولوجية التي أعادت تشكيل القارات والمحيطات عبر مئات الملايين من السنين، وهو ما يجعل هذا الاكتشاف بداية لفصل جديد في دراسة الكوكب الذي نعيش عليه.